حين يصبح القتل ملاذاً آمناً... رحلة في عقل أم .
بقلم . د / نيرمين محمد
🔶 في كرموز.. لم تكن الدماء هي البطل الوحيد، بل كان "الخوف" هو المحرك الخفي.
حين تحول العقل البشري إلى قناعة مرعبة بأن الموت هو أقصى درجات الحب...
🔹كيف تحولت غريزة الأمومة من "حماية الحياة" إلى "صناعة الموت" ...
تلك الكارثة تجعلنا نتساءل بذهول.... كيف رأي العقل في ذبح الأبناء 'إنقاذاً'.... وكيف همس اليأس في أذن الأم بأن السكين هي الأداة الوحيدة للتعبير عن الرحمة...
🔹كيف يطفئ المرض... بوصلة الروح
▫️نحن هنا لا نتحدث عن جريمة قتل عادية، بل نشرح انكسار نفس بشرية تحت وطأة المرض والفقر.
▫️حين ينطفئ نور المنطق، وتصبح 'رصاصة الرحمة' هي الحل الأخير في نظر عقل فقد اتصاله بالواقع.
🔹 هنا السؤال الذي يطرح نفسه دائما في الوقائع المماثلة... هل لضعف الايمان يد خفية في تلك الحوادث....
▫️إن اليأس قد يبدأ كشرخ في جدار الروح (ربما بسبب غياب الدعم الإيماني أو الاجتماعي)، لكن عندما تشتد الضغوط، يتحول هذا الشرخ إلى "ثقب أسود" يبتلع العقل تماماً، ليتحول الأمر من 'أزمة روحية' إلى 'كارثة عقلية' تتركنا أمام مأساة إنسانية تستوجب البحث عن علاج لا قذف اتهامات.
🔹إن الإيمان القوي يمثل "آلية تكيف" (Coping Mechanism) تمنح الشخص صموداً أمام الشدائد. ولا شك ان غياب هذا الدرع يجعل الإنسان عارياً أمام صدمات الحياة... ولكن هل يكفي الايمان وحده ليشكل حاجزاً واقياً ضد المرض العقلي...
▫️قطعا لا... فكما لا علاقة بين قوة الايمان والمرض البدني لا علاقة بين قوة الايمان والمرض العقلي..
▫️إن الربط بين المرض العقلي والنفسي وقوة الايمان هو كارثة كانت السبب الدائم في تأخر طلب يد العون والمساعدة...
▫️فبينما يعاني المريض النفسي في صمت.. يُكتب عليه كذلك ان يظل صامتاً عن طلب المساعدة خوفاً من وصمة العار التي ستلاحقه من ضعف ايمان.
🔹إن الإيمان يحمي الروح من القنوط، لكنه لا يحمي العقل من الخلل .. تماماً كما لا يمنع الورم من الانتشار في الجسد.
🔸تخيل معي العقل... كجهاز كمبيوتر أصابه فيروس شرس ( مرض عقلي) فمهما كانت جودة برامج هذا الكمبيوتر (الإيمان، الأخلاق، القيم) المثبتة عليه، فإن الجهاز سيعطي نتائج خاطئة لأن "المعالِج الداخلي" نفسه قد تعطل.
🔸 لذلك فإن تلك الأم المكلومة لم تكن تري فيما فعلته معصية.. بل كانت تراه فعل يحمل كل معاني الرحمة والايمان ألا وهو حماية أطفالها من بعدها.
🔶 وهنا تساؤل هام يطرح نفسه... هل يمكن لضيق ذات اليد أو قسوة المرض أن يحول أماً لقاتلة؟
▫️ الإجابة العلمية القاطعة هي: لا.
فالأم الطبيعية قد تنتحر يأساً، لكنها لا تذبح صغارها إلا إذا انقطع خيط الواقع في عقلها. إن ما حدث في كرموز ليس (جريمة فقر)، بل هو (انفجار عقلي) حول (بوصلة الأمومة) من الحفاظ على الحياة إلى الهروب الجماعي نحو الموت، معتبرة أن السكين هي طوق النجاة الوحيد.
▫️إن "غريزة حماية الأبناء" لدي الأم تُعد هي الأقوى على الإطلاق، وهي تتفوق حتى على غريزة البقاء لدى الأم نفسها.
فالأم الطبيعية قد تقتل دفاعاً عن أطفالها، أو تضحي بحياتها نفسها ليعيشوا هم..
بينما نجد الأم هنا قد قامت بعكس هذه الفطرة تماماً.
هذا "الانعطاف الحاد" في السلوك البشري لا يحدث نتيجة "قرار صادر من العقل" أو "ضيق حال" فقط، بل هو مؤشر قاطع على وجود خلل وظيفي في الدماغ أدى لتعطيل الغريزة الأساسية واستبدالها بضلالات تفتك بثبات عقلها.
🔸فالأم (السليمة عقلاً) اذا فقدت غريزتها الطبيعية وتحولت الي مجرمة استطاعت القيام بالتخلص من ابنائها فإنها في هذه الحالة تقتل لتحقيق مصلحة (مال، انتقام، تخلص من عبئ أو حتي متعة شخصية)، وهي غالباً ما تحاول إخفاء جريمتها أو الهروب.
أما الأم حين تكون مريضة عقلياً فهي تقتل وهي تعتقد أنها تُنقذهم، فهل لم تهرب بل خططت لأن يموت الجميع معها.
وهذا يسمى في الطب النفسي "القتل الإيثاري المرضي" (Altruistic Filicide)، وهو تشخيص لا يجتمع أبداً مع "السلامة العقلية".
▫️إن الأم الطبيعية مهما بلغت ضائقتها، ومهما بلغت أنانيتها ترى بدائل (طلب مساعدة، ايداع في دار أيتام، الكفاح لآخر نفس، أو الهروب وتركهم). أما تلك المريضة بـ "الاكتئاب الذهاني"، فيحدث لها ما يسمى بـ "الرؤية النفقية"؛ يغلق عقلها كل الأبواب ولا يرى إلا مخرجاً واحداً هو ....الموت
🔸إن المرض العقلي لا يهبط من السماء فجأة، بل يغذيه شعور ....الخذلان
🔶 مثلث الخذلان... ما بين فقدان السند (الزوج)، فقدان الأمان (العائلة) ، ومرض مؤلم ينهش بوجعه في القلب قبل الجسد...
🔹هناك خلف تلك الأبواب المغلقة علي تلك الأسرة، لم يكن السرطان وحده من ينهش في جسد الأم، بل كان "الخذلان" هو السم الذي يسري في عقلها.
▫️إن شهادات جيران الأسرة والتي سُطرت بمرارة، ترسم لوحة لأسرة نُفيت من ذاكرة الأهل ؛ فتركوا الأم المريضة تواجه الموت بلا أخ يسأل أو أخت تواسي... وزوج نزع يده من المسؤولية وكأنها لم تكن ابداً شريكة خياة ولم يكن هؤلاء الأطفال من صلبه.
▫️هنا يجد العقل ما يغذي المرض من شعور بالاضطهاد والوحدة فينهار "جهاز المناعة النفسي" .
▫️في هذه اللحظة، يبدأ العقل في نسج ضلالاته؛ فإذا كان الأهل قد تخلوا عنا وهم أحياء، فماذا سيفعل الغرباء بصغاري بعد موتي؟ هذا السؤال 'المنطقي' في بدايته، هو الذي تحول بفعل المرض إلى "قرار بإنهاء الحياة"
🔹أما النقطة الأكثر إثارة للتساؤل هنا هي... لماذا لم تنفذ الأم المهمة بنفسها ثم تنتحر بعد ذلك..
▫️إن التفسير يكمن في ظاهرة "الذهان المشترك"، فالأم هنا لم تكن ترى ابنها ككيان منفصل، بل كـ "امتداد" لها، استطاعت أن تنقل له رؤيتها السوداوية للعالم، وبما أنه الشاهد الوحيد(بحكم كونه الأكبر بين اخوته) على عذابها مع السرطان، فقد كان الحلقة الأضعف التي استسلمت لمنطقها المشوه، معتبراً تنفيذ "الوصية" واجباً مقدساً لإنقاذ إخوته من الضياع بعد رحيلها.
🔶لقد ماتت الأم.. ورحل الصغار... وبقي الابن وحيداً يحمل إرثاً من الدم والخذلان.
🔶وبقي الدرس الأقسى هو أن فقدان الأمان هو التربة التي ينبت فيها المرض العقلي ، وأن السكين التي ذبحت أطفال كرموز، كان قد شحذ نصلها كل من تخلوا عن هذه الأم وهي تصارع الحياة وحدها.
🔶 وأن ذلك الحدث الجلل والرحمة الزائفة التي توهمتها الأم وخططت لها ونفذها ابنها بيده، لم يكن ليحدث لو كان الأب لم يخلع عنه رداء الرجولة، ولو كان الأهل لم قطعوا رحمهم في وقت الشدة، لو كان هناك مجتمع لا يفسر أعراض المرض العقلي على أنها "ضيق حال" أو "قلة إيمان" بدلاً من تقديم يد المساعدة والعون....

تعليقات
إرسال تعليق