حين نتعلّم الحب… ونتقن التغافل
بقلم: د. نهلة حمزاوي
قيل إن الحب لا يكون إلا للأول،
فنتمسك به طويلًا، بوفاءٍ لا حدود له،
خوفًا من المجهول… ممن لم نعرفه بعد.
لكن الحياة، كعادتها، لا تتركنا على قناعة واحدة،
بل تعيد تشكيلنا من الداخل، وتعلّمنا أن الحب الحقيقي
ليس لمن جاء أولًا… بل لمن رمّم ما انكسر فينا،
وأعاد الدفء لروحٍ أنهكها التعب،
وسعى بصدق ليزرع ابتسامة لا مجاملة فيها.
وحين يتبدّل ودّ أحدهم دون سببٍ مفهوم،
لا تُرهق قلبك بالسؤال، ولا تُلحّ في البحث عن إجابة.
فبعض المشاعر إن لم تُمنح برغبة،
تتحوّل إلى عبءٍ يثقل القلب ويُنهكه.
قابل الفتور بالهدوء،
ودع ما لا يأتيك طوعًا،
فالعاطفة التي لا تختارك… لا تستحق أن تُستجدى.
---
فعلاً… الإنسان يشبه ما يحب.
فمن هام قلبه بالشمس،
سرى في ملامحه شيءٌ من ضيائها،
كأن النور تسلل إلى روحه،
ثم انعكس على وجهه صفاءً وبهجة.
ومن يسكن الربيع قلبه،
تراه أينما حل أزهر المكان من حوله،
كأن في خطاه بذورًا تنبت ابتسامات في وجوه الناس.
أما من يعشق الغروب،
ففي عينيه مسحة تأملٍ هادئة،
تشبه ذلك الضوء الأخير،
حين يودع النهار السماء بوقارٍ رقيق.
نظن أننا نختار ما نحب،
لكن الحقيقة أعمق…
فما ننجذب إليه يكشفنا،
ويفضح ما يسكن أعماقنا دون أن نشعر.
---
ولولا التغافل… ما استمرت علاقة،
ولا دام ودّ، ولا استقرت صُحبة.
فالناس بطبيعتهم ناقصون،
وألسنتهم زلّاقة،
وطباعهم مختلفة… لا تستقيم على حال.
ومن أراد الكمال في البشر،
حكم على نفسه بالوحدة.
ومن انشغل بتفسير كل كلمة،
وتحليل كل تصرّف،
ملأ قلبه سخطًا،
وأضاع أيامه في عتابٍ لا ينتهي.
أما من أبصر الخلل… فتجاوزه،
وغضّ الطرف عمّا لا يستحق الوقوف عنده،
وأخذ من التغافل ما يحفظ به سلامه،
فقد اختار الطريق الأهدأ لقلبه.
---
ليتنا نملك قلوبنا كما نظن…
نطفئ شعورًا لا نريده كل ليلة،
وننير آخر يزرع فينا الطمأنينة،
نغفر في هدوء،
وننام بسلامٍ داخلي لا يزعجه أحد.
لكن الحقيقة…
أننا لا نملك إلا أن نتعلّم،
أن ننضج،
وأن نُهذّب مشاعرنا،
لا أن نُلغيها.
وهنا فقط…
نصل إلى سلامٍ يشبهنا.

تعليقات
إرسال تعليق