القائمة الرئيسية

الصفحات

شريط الاخبار

التحرش الجنسي ضد الأطفال ظاهرة أم جرس انذار ؟؟؟ بقلم .د / سحر سعيد - مجلة وعي جديد

التحرش الجنسي ضد الأطفال ظاهرة أم جرس انذار ؟؟؟  بقلم .د / سحر سعيد - مجلة وعي جديد

   التحرش الجنسي ضد الأطفال ظاهرة أم جرس انذار ؟؟؟

بقلم .د / سحر سعيد

في مجتمعاتٍ يفترض أنها تحتمي بالقيم، وتتشبث بالدين، وتفاخر بتاريخٍ أخلاقي طويل، يطلّ علينا التحرش الجنسي ضد الأطفال كواحد من أبشع الجرائم الإنسانية وأكثرها وجعًا. جريمة لا تنتهك الجسد فقط، بل تحطم الروح، وتسرق الطفولة، وتزرع الخوف والاضطراب في نفسٍ لم تكتمل ملامحها بعد.


وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: هل أصبح التحرش الجنسي ضد الأطفال ظاهرة اجتماعية؟ أم أنه جرس إنذار مدوٍ لغياب الدين والأخلاق وضعف الضمير الإنساني؟


جريمة تتجاوز حدود الفرد


التحرش الجنسي بالأطفال ليس فعلًا فرديًا معزولًا، بل جريمة مركبة ذات أبعاد نفسية واجتماعية وتربوية ودينية. فالطفل الضحية لا يعاني فقط في لحظة الاعتداء، بل يمتد الأذى إلى سنوات طويلة من حياته، في صورة اضطرابات نفسية، فقدان الثقة، تشوه في مفهوم الأمان، وأحيانًا انحرافات سلوكية ناتجة عن الصدمة.


إن أخطر ما في هذه الجريمة أنها تُرتكب غالبًا من أشخاص يفترض أنهم مصدر أمان: قريب، معلم، جار، أو حتى أحد الوالدين. ما يجعل الخيانة مضاعفة، والصدمة أعمق.


هل هو انتشار أم كشف مستور؟


يرى البعض أن تزايد الحديث عن التحرش بالأطفال دليل على انتشاره، بينما يرى آخرون أنه نتيجة لكسر حاجز الصمت وازدياد الوعي. والحقيقة أن الأمرين معًا صحيحان؛ فالجريمة كانت موجودة منذ زمن، لكنها كانت مختبئة خلف جدران الصمت والخوف والعار الاجتماعي، حتى تحولت الضحية إلى متهم، والجاني إلى شخص محمي بالصمت.


لكن المؤلم أن هذا الكشف المتزايد يصاحبه أيضًا تصاعد فعلي في معدلات الانتهاك، ما يشير إلى خلل أعمق في منظومة القيم والرقابة الذاتية.


غياب الدين أم غياب التدين؟


الدين – في جوهره – منظومة أخلاقية سامية تحمي الإنسان قبل أن تقيده، وتصون الضعيف قبل أن تحاسب القوي. لكن ما نشهده اليوم ليس غيابًا للدين بقدر ما هو غياب للتدين الحقيقي. فكم من شخص يرفع الشعارات الدينية بينما يمارس أبشع الجرائم في الخفاء؟


إن التحرش بالأطفال دليل صارخ على انفصال السلوك عن الإيمان، وعلى تحوّل الدين عند البعض إلى طقوس شكلية لا تردع، ولا تهذب، ولا تزرع خوفًا من الله أو احترامًا لحرمة الإنسان.


دور الأسرة والمجتمع


تلعب الأسرة دورًا محوريًا في الوقاية والحماية. فالتربية القائمة على القمع والصمت وغياب الحوار تخلق طفلًا عاجزًا عن التعبير، خائفًا من الشكوى، لا يعرف الفرق بين اللمسة الآمنة والاعتداء. كما أن تجاهل شكاوى الأطفال أو تكذيبهم بدافع "السمعة" أو "الخوف من الفضيحة" هو مشاركة غير مباشرة في الجريمة.


أما المجتمع، فلا يزال في كثير من الأحيان يجلد الضحية بدلًا من محاسبة الجاني، ويبرر الفعل أو يقلل من شأنه، مما يشجع على تكراره ويمنح المعتدي شعورًا بالإفلات من العقاب.


جرس إنذار لا يحتمل التجاهل


التحرش الجنسي ضد الأطفال ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل جرس إنذار خطير يعلن فشلًا أخلاقيًا وتربويًا يستدعي وقفة جادة. وقفة تعيد الاعتبار للقيم، وتُفعّل دور القانون، وتؤكد أن حماية الطفل مسؤولية جماعية لا تقبل التهاون.


نحن بحاجة إلى:


✍️ تربية دينية صحيحة تُرسّخ الضمير قبل المظهر.


✍️ توعية الأطفال بحقوقهم وحدود أجسادهم بلغة تناسب أعمارهم.


✍️قوانين رادعة تُطبق دون استثناء.


✍️ كسر ثقافة الصمت والخوف، وإعلاء صوت الضحية.


و أخيرا 


الطفل ليس ملكًا لأحد، ولا جسدًا مستباحًا، ولا سرًا يُدفن حفاظًا على السمعة. إن إنقاذ طفل واحد من براثن التحرش هو إنقاذ لمجتمع كامل من الانهيار الأخلاقي.


فالتحرش الجنسي ضد الأطفال ليس مجرد ظاهرة اجتماعية، بل صرخة إنسانية مدوية تسألنا جميعًا: أين الدين؟ وأين الأخلاق؟ وأين نحن من مسؤوليتنا تجاه من لا يملك إلا صوته… إن سمعناه.


        

تعليقات