منهجية السيدة مريم عليها السلام في حل المشكلات
بقلم: الدكتور زكريا الخنجي
Zkhunji@hotmail.com
في سورة مريم عليها السلام – الآيات من 22 إلى 30 يوضح الله سبحانه وتعالى نمطية وأسلوب من أساليب حل المشكلات، لنحاول أن نتعرف على هذا المنهج العلمي في حل المشكلات.
تقول الآيات الكريم [فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30)].
المنهج العملي لحلّ المشكلات كما يظهر في الآيات
أولاً: العزلة المؤقتة وإعادة التموضع (Reset Position)؛ تقول الآية الكريمة (فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا)، وهذه الخطوة الأولى التي قامت بها السيدة مريم عليها السلام في حل المشكلة، فكان عليها أن تعيد ضبط البيئة؛ والابتعاد عن الضغط الاجتماعي لتهدئة العقل، إذ أن هذه الخطوة يمكن أن تُعد انسحاب تكتيكي من بيئة مليئة بالضغط والتوقعات والضوضاء، فهي لم تهرب من المواجهة وإنما حاول تهيئة بيئة مناسبة لاتخاذ قرار عقلاني.
لماذا هذه الخطوة مهمة ؟ وذلك للأسباب التالية:
• العقل تحت الضغط يفقد القدرة على تقييم الخيارات.
• البعد الجسدي يتيح بُعدًا نفسيًا (Psychological Distance) يحسّن التفكير.
• وهي خطوة عملية مستخدمة اليوم في:
o إدارة الأزمات،
o علاج الضغط النفسي،
o مراحل التفاوض المعقد،
لذلك فإن الضغوط المفاجئة تحتاج إلى مساحة هادئة قبل التفكير أو المواجهة، لذلك فإن إعادة التموضع خطوة استراتيجية في حل المشكلات.
ثانيًا: الاعتراف بالمشاعر مع بداية المشكلة (Emotional Acknowledgment)؛ تقول الآية الكريمة (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا)، فالآية الكريمة تكشف عن الشعور البشري الحقيقي الذي انتاب السيدة مريم عليها السلام، شعور انكسار وخوف وألم وضيق، وربما مشاعر مختلط من كل هذا وذلك، ويمكن الملاحظة أن القرآن الكريم لا يدعو إلى القمع النفسي، بل يقرّ بالمشاعر إذ أنها من حق الإنسان في التعبير، فالآية الكريمة تكشف لنا عن انكسار مشاعر حقيقي دون تجميل أو تزيين، فقد وجد أن إبداء المشاعر مهما كانت والاعتراف بالمشكلة يسهم بصورة كبيرة في التفكير واتخاذ القرارات الصائبة.
لماذا هذه خطوة مهمة ؟ وذلك للأسباب التالية:
• إن الاعتراف بالمشاعر – أيًا كانت – لا يعني الاستسلام لها.
• يسمح للدماغ من انتقال من (وضع الانفعال) إلى (وضع التفكير التنفيذي).
• تخطي الأزمة يبدأ من فهم أثر المشكلة داخليًا قبل مواجهتها خارجيًا.
وهذا يعني ببساطة أن الاعتراف بالمشاعر يخفف من حدّتها ويسمح بالانتقال إلى التفكير العقلاني، فلا يمكن حلّ أي مشكلة تتجاهل أثرها النفسي عليك.
ثالثًا: إعادة ضبط الانفعال (Emotional Regulation)، وتعديل الإطار الذهني؛ يقول النص القرآني (أَلَّا تَحْزَنِي)، وهذا النص ليس جملة للتهدئة فقط، بل إعادة برمجة للحالة الشعورية، فالتهدئة هنا شرط لمرحلة التفكير الممنهج. فالرسالة القصيرة هذه تستهدف تعديل الانفعال قبل معالجة المشكلة، بمعنى آخر إن ضبط الانفعال مقدمة لضبط التحليل.
لماذا هذه الخطوة مهمة ؟ وذلك للأسباب التالية:
• الانفعال يعطل مراكز اتخاذ القرار في الدماغ، والمعروفة (بقشرة الفص الجبهي Prefrontal Cortex).
• قبل التفكير في الحل، يجب تهدئة اضطراب القلق.
باختصار فلا يمكن أن يبدأ التفكير المنطقي إلا بعد استقرار الانفعال.
رابعًا: تأمين الاحتياجات الأساسية (Stabilize Baseline Needs)؛ أي توفير الحدّ الأدنى من الأمان المادي والنفسي قبل التفكير واتخاذ القرار، يقول النص القرآني (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) و(تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا)، علمًا أنه لا يمكن حل أي أزمة مع الجوع، والعطش، أو الانهيار الجسدي، فاستعادة الطاقة شرط للمواجهة السليمة، فتوفير (ماء والغذاء) ليس رفاهية، بل شرط بيولوجي لاستعادة القدرة الذهنية، وتحقيق الاحتياجات الأساسية قبل المواجهة والوقوف أمام المشكلة أو الأزمة، وهنا لا نريد أن نشرح لماذا الرطب تحديدًا فهذا موضوع آخر لأنه يرتبط بالقيمة الغذائية للرطب وتأثيره على المرأة النفساء.
لماذا هذه الخطوة مهمة ؟ وذلك للأسباب التالية:
• عند الإرهاق أو الجوع أو العطش ينخفض التركيز وتنقلب الأولويات.
• التوازن الجسدي شرط للتوازن العقلي.
• هي خطوة مهمة في هرم ماسلو أو غيره من منظومات الاحتياجات البشرية.
فإذن قبل حل أي المشكلة فإنه يجب إصلاح البيئة الجسدية والنفسية أولاً.
خامسًا: العمل بالأسباب (Take Action Even If Minimal)؛ تقول الآية الكريمة (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ)، فلنتصور المشهد السيدة مريم عليها السلام في حالة ضعف شديد من الناحية الجسدية والنفسية والفكرية، ومن المعروف أن جذع النخلة لا يمكن هزه، وعلى الرغم من ذلك طُلِب أن تهز النخلة، وقد يعتقد الإنسان أنها خطوة صغيرة وغير كافية، لكن الله سبحانه وتعالى يعلمنا المبدأ الكبير (الحراك يكسر دائرة العجز)، وكأنه سبحانه وتعالى يقول (قم بالجزء الذي تستطيع حتى وإن كان صغيرًا لأن الحركة تُخرِجك من الشلل الذهني، إلى الفعل الحقيقي)، بمعنى آخر فإن تفعيل الإرادة جزء من الحل.
لماذا هذه الخطوة مهمة ؟ وذلك للأسباب التالية:
• إن التحرك حتى وإن كان رمزيًا ينقل الشخص من وضعية السلبية إلى الفعل الإيجابي.
• الفعل يحفّز مراكز الدافعية ويولد شعور السيطرة (مركز التحكم الداخلي Internal Locus of Control).
• كثير من الأزمات تُحلّ عندما يبدأ الشخص بخطوة صغيرة.
لذلك يمكن القول افعل ما تستطيع، حتى لو كان أصغر مما تتوقع، فالحركة تفتح باب الحلول.
سادسًا: اختيار الصمت الاستراتيجي (Strategic Silence)؛ بمعنى استراتيجية الصمت عند مواجهة النقد غير العادل، يقول النص القرآني (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا)، فالصمت هنا ليس هروبًا بل إدارة للنقاش، فالموقف لا يحتمل تبريرًا قد يزيد المشكلة، بل وأنت في هذا الموقف تحتاج تكتيكًا مدروسًا وترك المجال للحقيقة أن تتكلم. فقد وجدنا أن ليس كل هجوم يستحق الرد، ففي بعض المواقف، أفضل رد هو الامتناع عن الانجرار للنقاش.
لماذا هذه الخطوة مهمة ؟ وذلك للأسباب التالية:
• بعض البيئات غير صالحة للإقناع والتفاوض مهما كانت الحجج.
• الدخول في جدال أثناء الأزمة يرفع مستوى الصراع.
• الصمت يحمي الطاقة النفسية ويركز على الحل الأساسي.
باختصار فإن ليس كل نقاش يجب أن تُشارك فيه، أحيانًا يكون الصمت هو القرار الأكثر ذكاءً.
سابعًا: استخدام الحل غير التقليدي (Non Linear Solution)، بدل الجدال العقيم؛ تقول الآية الكريمة (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ)، قامت السيدة مريم عليها السلام بدلاً من الاندفاع والدفاع الكلامي الذي سيُرفض مقدمًا وهي كانت عليمة بذلك، بالإشارة إلى مصدر الحقيقة ذاتها وهو (الطفل عليه السلام)، فهي هنا لا تحتاج إلى تبرير أو أي شيء، فهذا الطفل كما عرفت هي فإنه سيقول الحقيقة التي سوف تخرس جميع الأفواه. فقد كانت الفكرة إذن مبدأ حل المشكلة عن طريق حل مبتكر بدلاً من الأدوات التقليدية (الشرح أو الدفاع عن النفس) غير الفعالة. وكذلك يمكن هنا أن نشير أن السيدة مريم عليها السلام استعانت بفريق العمل والذي هنا هو سيدنا عيسى عليه السلام حتى يسهم بدوره في حل المشكلة.
لماذا هذه الخطوة مهمة ؟ وذلك للأسباب التالية:
• هي حركة تعكس التفكير خارج الصندوق (Out of the Box Thinking).
• في حالات الانسداد، الحل قد يكون غير خطّي.
• التحول من شرح إلى إظهار الحقيقة اختزال للجهد.
• أهمية مشاركة الآخرين في حل المشكلة وخاصة الناس العلماء.
يمكن تلخيص هذه المرحلة في الجملة التالية (إذا لم تنجح الأدوات التقليدية، استخدم نهجًا مبتكرًا).
ثامنًا: السماح للحقائق بالظهور (Let Reality Speak)؛ بمعنى أن تترك النتائج للحقائق لا للتوقعات، تقول الآية الكريمة (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ...)، في هذه اللحظة تجلت النتيجة، فظهرت الحقيقة دون أي تدخل بشري من السيدة مريم عليها السلام، فالحقائق قوية لدرجة أنها تتبيّن بنفسها. بمعنى أن المبدأ الأساسي في هذه المرحلة من حل المشكلة هو أن تركز على الخطوات الصحيحة، وأن تدع المخرجات تظهر من تلقاء نفسها إن كانت البيئة التي تواجهها ترفض أي منطق وحقيقة.
لماذا هذه الخطوة مهمة ؟ وذلك للأسباب التالية:
• عند اتخاذ الخطوات الصحيحة، لا تحتاج لإقناع كل الناس.
• ترك مساحة للزمن والوقائع لتظهر الحقائق بصورة فعّالة.
• أحيانًا التبرير يقلل من مصداقية الحقيقة بدلاً من تعزيزها.
لذلك يمكن القول إنه بعد القيام بالخطوات الصحيحة السابقة، دع الوقائع يتكفّل بإقناع الآخرين.
في الختام، يكشف لنا النص القرآني أن المشكلات والأزمات ليست مجرد أحداث عابرة، بل محطات تكشف قدرات الإنسان على الصبر والتفكير والعمل، فما فعلته السيدة مريم عليها السلام لم يكن مجرد استسلام أو انتظار للمعجزة، بل كان منهجًا متكاملًا في إدارة الموقف؛ فقد هدأت، ووعت، وعملت، وصمتت، ثم ظهرت الحقيقة.
وهكذا يقدّم القرآن نموذجًا خالدًا يذكّرنا أن الحلول تبدأ من الداخل قبل أن تأتي من الخارج، وأن الوضوح يولد حين نتحرك بالقدر الذي نملك، ونسلّم للقدر الذي لا نملك.
ويبقى درس السيدة مريم عليها السلام رسالة خالدة لكل مَن يقف على أبواب أزمة أو حيرة. فالطريق الأصعب قد يحمل في طياته النور، وأن الله لا يترك عبده في منتصف الطريق، وما بين الألم والفرج، يبقى الإيمان والهدوء والعمل هم الجسر الذي نعبر عليه نحو حياة أكثر اتزانًا ووضوحًا.

تعليقات
إرسال تعليق