الأم: الجِذر النفسي والوطن الأول.. هل نُدرك حجم الأمان؟
بقلم: مرڤت رجب
متخصصة الإرشاد النفسي والأسري والتربوي
في عيادات الإرشاد النفسي، نبحث دائماً عن "نقطة الارتكاز" التي ينطلق منها الإنسان لمواجهة العالم، وغالباً ما نجدها هناك.. في حضن الأم. فالأم ليست مجرد مسمى اجتماعي أو دور بيولوجي، بل هي "المُناخ النفسي الأول" الذي تتشكل فيه ملامح شخصيتنا، وقدرتنا على الحب، وثقتنا في الحياة.
الأم.. لغة الحب التي لا تحتاج لترجمة
من الناحية التربوية، الأم هي المدرسة الأولى للذكاء العاطفي. الطفل الذي يرى في عين أمه القبول غير المشروط، ينمو ولديه "مناعة نفسية" ضد انكسارات الحياة. إن نظرة الرضا في عين الأم، ولمسة يدها الحانية، هي التي تمنح الابن شعوراً بـ "الاستحقاق"؛ شعوراً بأنه محبوب ومقدر، وهذا هو أساس الصحة النفسية السوية.
نداء لكل ابن: البر ليس "واجباً" بل هو "حياة"
يا كل ابن، إن تقبيل يد الأم (كما نرى في ملامح البر الصادقة) ليس مجرد حركة بروتوكولية، بل هو اعتراف بجميلٍ لا يُرد، واعتذار ضمني عن أيام سهرت فيها حين نمت، وقلق جردها من راحتها لتنعم أنت بالسكينة.
علمياً ونفسياً، "التعلق الآمن" بالأم هو الذي يجعلك رجلاً سوياً في تعاملك مع زوجتك، وأباً رحيماً مع أبنائك. فمن لم يتعلم الرحمة من مدرسة أمه، فأنّى له أن يمنحها للعالم؟
رسالتي التربوية في يومها
إن التربية الحقيقية ليست في توفير المأكل والمشرب، بل في بناء "جسور المودة". وهنا أوجه ندائي لكل ابن:
• لا تنتظر المناسبات: الأم لا تحتاج لهدايا ثمينة بقدر حاجتها لـ "حضورك النفسي"، لسماع صوتك، لشعورها بأنها لا تزال "الأولوية" في جدولك المزدحم.
• لين الجانب: في علم النفس الأسري، كلمة طيبة أو نظرة تقدير من الابن كفيلة بأن تمحو سنوات من التعب الجسدي والنفسي الذي كابدته الأم.
• الاستماع الواعي: اجلس معها، استمع لقصصها المكررة بنفس الشغف، فهذا هو أعلى درجات "الدعم النفسي" الذي يمكنك تقديمه لها في خريف عمرها.
ختاماً..
الأم هي "الوتد" الذي يمنع خيمة الأسرة من الانهيار. وبرّها ليس منّة منك عليها، بل هو توفيق من الله لك، وبابٌ مفتوح للسكينة في الدنيا والجنة في الآخرة.
يا قرة عين أمهاتكم، رفقاً بهن، فما من صدرٍ أحنّ، ولا قلباً أوفى، ولا وطناً آمن كقلب الأم.
كل عام وكل أم هي نبض الحياة، ومصدر الأمان النفسي الأول.


تعليقات
إرسال تعليق