(الصورة التي في مخيلتك ! )
كتب / د. أكرم مليباري
استشاري الصحة النفسية وتعديل السلوك
أنا وأنت وهي وهم .. بل ربما الكثير منّا و أغلبنا لديه صورة خيالية أقرب للمثالية منها للواقع ، حيث تريد هي أن تكون تلك الزوجة السعيدة في عشها الزواجي؛ تحيا حياة الأميرات المرفهات؛ حيث ترتدي أغلى الماركات وأنعم الثياب وتسكن أفخم القصور وحوليها الخادمات يلبين طلباتها المختلفة في كل حين . لامنغصات هنا وهناك بل روائح العطور الثمينة تملىء المكان والمجوهرات باهظة الثمن مرصعة على يديها ورقبتها ،والتحف الفنية النادرة تزين قصرها البنفسجي .
والآخر رجل أعمال ثري يتجول بين أروقة شركته الكبيرة التي يعمل فيها عشرات الموظفين وهو مرتدي الزي الفاخر ، ذو الماركة العالمية ! بينما هو من نجاح إلى نجاح ، يفتتح شركة أخرى وهكذا..
والأخرى أم في بيتها ؛ ترى أولادها يلعبون في مرح وفرح وتتعالى أصوات ضحكاتهم وهم فرحون ويغمرهم الحب والإخاء ؛ فلا يتشاجرون ولا يأت أحدهم يشتكي أخاه أو أخته التي أخذت لعبته أو حاجياته !! وبينما هم يكبرون أمام عينيها ؛ ترى فيهم التمسك والدعم لبعضهم البعض ودائماً هم متواجدون بالقرب من بعضهم متحابون ولديهم الاستعداد بالوقوف بجانب بعضهم البعض حين تضيق سبل الحياة بأحد منهم أو بهم جميعاً..
وهذا يسعد حين ينتهي عمله ويرجع لبيته ؛ حيث تستقبله زوجته بكل ترحاب وأحضان ؛ تشنف آذانه بكلمات الحب وتفوح منها أجمل روائح العطور الزاكية ؛ بينما يرى سفرة الغداء قد ازدانت بأنواع الطعام الشهية !
وتلك إبنة تعيش في كنف أبيها وأمها المتفقين في حياتهما الزوجية ؛ لا تشعر بأي شيء ينقصها ؛ فهي مغمورة بالحب والحنان ، وكل احتياجاتها المادية ملباة و والديها هما المثال والقدوة الحسنة في حياتها حيث ترى حياة زوجية هانئة قلما ينتابها الشجار والخلاف والصوت العالي بل حياة ود وهدوء يسود أرجاء المنزل الصغير!
وذلك الشاب الذي أنهى للتو دراسته الجامعية بعد أن تخصص في مجال مرموق وفي كلية كما يقال لها من كليات ( القمم ) جاءته فرص العمل والوظائف تسعى لحده حتى احتار بينها جميعاً!
وتلك الفتاة التي تخرجت من الجامعة وقدمت للحصول على وظيفة فقُبلت على الفور ، وبدأت تمارس عملها وتحصل على راتب مجزٍ يكفيها ويزيد ؛ حتى أنها فكرت في عمل مشروع إضافي تستطيع من خلاله ممارسة موهبتها وكذلك تتكسب من أرباحه.
وغيرها وغيرها من الصور والنماذج العديدة التي يحلم بها الكثير منّا ومن الناس الذين يسعون لتحقيق أهدافهم وتحقيق رغباتهم ؛ وهذا بحد ذاته ليس عيباً ولا حراماً طالما أنه من مصدرٍ حلال ومشروع ؛ خالٍ من الظلم للنفس وللغير ؛ ولكن السؤال الجوهري المطروح هنا وفي هذا الصدد ؛ هل كل واحدٍ منا أو من أصحاب تلك النماذج والصور الحياتية التي عرضناها في هذا المقال المقتضب ؛استطاع أن يحقق تلك الصور الخيالية بشكل كبير او بنسبة مرضية على الأقل ؟! قد يكون الجواب نعم ولكن ماذا عن البقية ؟ هل استطاعوا بالفعل أن يعيشوا تلك الأحلام والصور الوردية ولو بالقليل منها ؟! أكاد أجزم بالسلب ! فهناك الآلاف ربما و أكثر من القصص التي يرويها أصحابها ؛ تعج بمشاعر الألم والخذلان وعقوق الأبناء ، وعدم توافق الأزواج في البيوت ؛ ومشاكل الطلاق وحرمان الأطفال من رؤية آباءهم وأمهاتهم وإدمانات الأزواج وسوء استخدامهم للمواد والعنف الذي يسود البيوت بين الأزواج وعنف الآباء تجاه أبنائهم ، والتنمر والاعتداء بأنواعه الذي يتعرض له الأطفال والبنات وحتى الأبناء الذكور ؛ من القريب والبعيد.
لماذا كل ذلك ؟! لأن الحياة غير مثالية ونحن غير مثاليون ، هذا الجواب بكل بساطة . ليس كل مانتمناه ندركه في الحياة أمام أعيننا وقد تكون الأسباب واضحة أمام البعض منا وقد تكون مبهمة وغير منطقية . وهناك وراء كل علة سبب ، فالحياة ليست صدفة ! وعدم وصولنا للصورة التي نناشدها ليس بالضرورة سببه معلوم لدينا ؛ فكلما صارعنا القدر و أصررنا على التغيير من غير وعي ؛ ازداد الأمر سوءاً ؛ ولكن كلما تعمقنا في العلة ؛ أصبح الأمر واضحاً وجلياً لنا . بمعنى آخر ؛ كل واحدٍ منا بما في ذلك أولادنا و أزواجنا و عوائلنا و أصدقائنا الخ .. له درسه في الحياة الذي سوف يرافقه بقية عمره وحياته ولن ينفك عنه ؛ حتى يتعلمه ويعرف العلة من سبب وجوده ، مما يقوده لمعرفة سبب وجوده في هذه الحياة !
وكل ما هو مطلوب منا هو أن نعيش تجربتنا الفريدة الخاصة بنا ، حتى نعرف رسالتنا في الحياة ولا يمنع من التوجيه والنصح ، ثم المراقبة عن بعد وما التوفيق إلا بيد الله تعالى .

تعليقات
إرسال تعليق