القائمة الرئيسية

الصفحات

شريط الاخبار

حين يضيع العمل… وهمُ الإنجاز بين النص القرآني وعلم النفس بقلم كوتش شيماء حامد مرشد نفسي واسري وتربوي كوتش علم نفس ايجابي مدرب دولي بالاتحاد الدولي للمدربين العرب

حين يضيع العمل… وهمُ الإنجاز بين النص القرآني وعلم النفس  بقلم  كوتش شيماء حامد  مرشد نفسي واسري وتربوي كوتش علم نفس ايجابي  مدرب دولي بالاتحاد الدولي للمدربين العرب

 

حين يضيع العمل… وهمُ الإنجاز بين النص القرآني وعلم النفس


بقلم 
كوتش شيماء حامد 
مرشد نفسي واسري وتربوي
كوتش علم نفس ايجابي 
مدرب دولي بالاتحاد الدولي للمدربين العرب 

قال الله تعالى في القرآن الكريم، في سورة الكهف:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ۝ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾.
ليست الخسارة الحقيقية أن يعمل الإنسان قليلًا،
بل أن يعمل كثيرًا… ثم يكتشف أن سعيه قد ضلّ، وأن جهده لم يُقبل.
هذه الآية من أعظم الآيات التي تُزلزل القلب؛ لأنها تكشف أخطر صور الضلال:
أن يخطئ الإنسان الطريق، وهو يظن أنه يحسن السير فيه.
من هم الأخسرون أعمالًا؟
ذهب جمهور المفسّرين، كالإمام الطبري وابن كثير، إلى أن الآية نزلت ابتداءً في الكافرين الذين عبدوا الله على غير هدى، أو جحدوا آياته، فحبطت أعمالهم.
ورُوي عن عبد الله بن عباس أنها في أهل الكتاب الذين اجتهدوا في عباداتهم على غير شريعةٍ صحيحة.
كما ورد عن علي بن أبي طالب أن الخوارج يدخلون في عمومها؛ لأنهم عبدوا الله بغير علم، فضلّوا وهم يظنون أنهم على الحق.
غير أن العلماء قرروا قاعدة مهمة:
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
فالآية وإن نزلت في الكافرين ابتداءً، فإن معناها يمتدّ ليشمل كل من توفرت فيه صفاتها:
كل من ضلّ سعيه، وظنّ أنه يُحسن صنعًا.
ميزان القبول: ركنان لا ثالث لهما
قرّر أهل العلم أن قبول العمل قائم على أصلين:
الإخلاص لله تعالى.
موافقة العمل للشرع.
وقد لخّص ذلك الإمام الفضيل بن عياض بقوله:
«إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل؛ حتى يكون خالصًا صوابًا».
فالعمل قد يضيع بأحد أمرين:
رياءٍ يفسد النية.
بدعةٍ تُفسد الاتباع.
وهنا مكمن الخطر؛ إذ قد يبذل الإنسان جهدًا عظيمًا، ويشعر بالرضا عن نفسه، بينما ميزان السماء لا يشهد له بالقبول.
البعد النفسي: وهمُ الإنجاز
يقرّر علم النفس الحديث وجود ما يُعرف بـ"وهم الكفاءة" أو "وهم الإنجاز" (Illusion of Competence)، وهو أن يظنّ الإنسان أنه يُحسن الأداء لمجرد كثرة الممارسة أو الشعور بالارتياح، دون اختبارٍ حقيقيٍّ لمدى صحة ما يفعل.
وقد أثبت عالما النفس David Dunning وJustin Kruger ما عُرف بتأثير "دانينغ–كروغر"، وهو ميلُ بعض الأفراد إلى المبالغة في تقدير فهمهم أو صوابهم، بسبب نقص الوعي بأخطائهم.
وهذا المعنى يلتقي مع الدلالة القرآنية العميقة:
﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾.
فالخطر ليس في الخطأ ذاته،
بل في الاطمئنان إليه.
كيف نحمي أعمالنا من الضياع؟
المراجعة الدائمة للنية:
أن يسأل المرء نفسه: لِمَ أفعل هذا؟ ومن أبتغي به؟
العلم قبل العمل:
لأن العبادة بلا علم قد تتحول إلى جهدٍ مهدور.
قبول النصيحة:
فالنفس تميل إلى تبرير ذاتها، ولا ترى عيوبها بسهولة.
الخوف من عدم القبول:
كان الصالحون يخشون ردّ العمل أكثر من خشيتهم التقصير فيه.
رسالة تربوية معاصرة
في زمنٍ تتكاثر فيه المنصات، ويقاس النجاح بعدد المتابعين، وتُختزل القيمة في التصفيق الجماهيري، قد يختلط مفهوم الإنجاز بالقبول.
غير أن ميزان السماء أدقّ وأعمق.
فليس كل انتشارٍ قبولًا،
ولا كل نشاطٍ نافعًا،
ولا كل اجتهادٍ محمودًا.
إن أخطر ما يُصيب الإنسان أن يطمئن إلى نفسه اطمئنانًا كاملاً، فلا يراجع، ولا يسأل، ولا يخشى.
ولهذا كانت هذه الآية صفعة رحيمة توقظ القلب، وتدعوه إلى التفتيش الصادق:
هل أسير على هدى؟
أم أنني أُحسن الظنّ بنفسي أكثر مما ينبغي؟
خاتمة
إن خسارة المال يمكن تعويضها،
وخسارة الفرص يمكن تداركها،
أما خسارة العمل بعد بذل العمر فيه، فذلك هو الخسران المبين.
فلنفتّش في دواخلنا،
ولنزن أعمالنا بميزان الإخلاص والاتباع،
حتى لا نكون – والعياذ بالله – ممن قيل فيهم:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾.

تعليقات