لستُ عروسًا… بل طفلة تُساق إلى المجهول
بقلم: الأخصائية راندا الوصيفي
أخصائي تثقيف صحي
يفرض علينا الواقع سؤالًا موجعًا:
كيف نقبل أن تُنتهك الطفولة باسم العُرف؟
وكيف يتحول الزواج المبكر من جريمة مكتملة الأركان إلى قرار “طبيعي” في نظر البعض؟
طفلة لم تتجاوز الثانية عشرة من عمرها، لا تزال تلعب بعروستها، بالكاد تفهم معنى الحياة، وفجأة تُجبر على ارتداء فستان أبيض لا يشبه عمرها ولا أحلامها.
تسأل ببراءة:
“ليه يا بابا؟”
فيكون الرد القاسي:
“انتي كبرتي خلاص… هتبقي عروسة”.
أي عروس تلك التي لا تعرف معنى الزواج؟
وأي كِبر هذا الذي يُقاس بالسن، لا بالعقل ولا بالنضج؟
الزواج المبكر… أرقام صادمة
تشير تقارير الأمم المتحدة واليونيسف إلى أن واحدة من كل خمس فتيات حول العالم تتزوج قبل سن 18 عامًا، وفي بعض المجتمعات تُجبر الفتيات على الزواج في سن أقل من 15 عامًا.
كما تؤكد التقارير أن الزواج المبكر يُعد من الأسباب الرئيسية لارتفاع معدلات:
تسرب الفتيات من التعليم
وفيات الأمهات الصغيرات
الفقر متعدد الأجيال
العنف الأسري
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل أرواح تُستنزف وطفولة تُغتال.
البُعد الطبي: جسد غير مُهيأ… ومخاطر قاتلة
من الناحية الطبية، الفتاة الصغيرة غير مكتملة النمو الجسدي، وزواجها المبكر يعرّضها لمخاطر صحية جسيمة، منها:
ارتفاع احتمالات النزيف الحاد أثناء الحمل أو الولادة
تسمم الحمل
الولادة المتعسرة بسبب ضيق الحوض
فقر الدم المزمن
ارتفاع معدلات الإجهاض والولادة المبكرة
زيادة احتمالات الوفاة للأم والجنين
كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن مضاعفات الحمل والولادة تُعد من الأسباب الرئيسية لوفاة الفتيات من سن 15 إلى 19 عامًا في الدول النامية.
الصدمة النفسية… الجرح غير المرئي
لا تقل الأضرار النفسية خطورة عن الجسدية.
فالطفلة التي تُجبر على الزواج تعاني غالبًا من:
اضطرابات القلق والاكتئاب
صدمات نفسية نتيجة العلاقة الزوجية القسرية
فقدان الشعور بالأمان
ضعف تقدير الذات
اضطرابات في العلاقة مع الأبناء لاحقًا
هي ليست زوجة، بل طفلة مُحمّلة بدور أكبر من قدرتها الإنسانية.
حين يتحول الأب إلى متهم
في كثير من الحالات، لا يُنظر إلى شخصية الزوج، فقد يكون مدمنًا، أو عنيفًا، أو متزوجًا، فالأهم أن “البنت اتجوزت”.
وحين تعود الطفلة باكية، مكسورة، غاضبة من القهر…
يكون الرد الصادم:
“روحي، أنا جوزتك… وراكي إخوات كتير”.
هنا لا نتحدث عن زواج، بل عن تسليم طفولة كاملة إلى المجهول.
الزواج المبكر أخطر من الزيادة السكانية
لأنه لا يصنع مجتمعًا قويًا، بل يُنتج:
أمهات أطفال
أطفال بلا تعليم
أسر مفككة
أجيال محمّلة بالغضب والقهر
مجتمع هش يفتقد الصحة النفسية والاستقرار
رسالة أخيرة
نحن لا نكتب لمجرد الإدانة، بل للتوعية والإنقاذ.
نكتب لأن الصمت مشاركة في الجريمة.
نكتب لأن الطفولة ليست رفاهية، بل حق أصيل لا يقبل المساومة.
فـ ليست كل من ترتدي فستانًا أبيض عروسًا…
بعضهن طفلات…
سِيقن إلى المجهول.




تعليقات
إرسال تعليق