الإنسان بين الوعي الذاتي والأنظمة والقوانين
بقلم: الدكتور زكريا الخنجي
Zkhunji@hotmail.com
لم تتشكل الأنظمة والقوانين مع تطور المجتمعات، وإنما ظهرت الأنظمة والقوانين بوصفها ضرورة لتنظيم الحياة الاجتماعية المشتركة منذ نشوء المجتمعات في العهود القديمة جدًا، فالأنظمة والقوانين وضعت بهدف ضبط العلاقات بين الأفراد، وحماية الحقوق، ومنع الفوضى. فالقانون وُضع في الأصل لخدمة الإنسان، لا لتحويله إلى أداة أو رقم داخل منظومة جامدة. والأنظمة، حين تقوم على العدل والشفافية، تسهم في استقرار المجتمع – أيًا كان – وتحقيق التوازن بين حرية الفرد ومصلحة الجماعة.
ولكن الإشكالية تظهر عندما يغيب الوعي البشري، فيتحول الالتزام بالقوانين إلى خضوع أعمى، أو حين تُفرَض أنظمة لا تراعي كرامة الإنسان ولا تحترم إنسانيته. فالإنسان الواعي لا يرفض القوانين لمجرد الرفض، كما أنه لا يقبلها لمجرد أنها مفروضة، بل يقيسها بميزان القيم والأخلاق والعدالة. ومن هنا تنشأ العلاقة الجدلية بين الوعي والأنظمة فالعلاقة شدّ وجذب، قبول ونقد، التزام ومسؤولية.
وفي المقابل تنظر الفلسفة إلى الإنسان على أنه كائن واعٍ بذاته وبالعالم، والوعي هنا ليس مجرد الإدراك الحسي، بل هو قدرة على الفهم، والتأويل، والنقد، واتخاذ الموقف. فالإنسان الواعي لا يعيش الواقع كما هو، بل يسائله ويفسّره ويُعيد إنتاجه، لذلك فإن مفهوم الوعي تاريخيًا وفلسفيًا أرتبط بفكرة الحرية والمسؤولية؛ إذ لا معنى للمسؤولية دون وعي، ولا قيمة للوعي إن لم يترجم إلى اختيار أخلاقي. ومن هذا المنطلق، فإن الإنسان لا يكون إنسانًا كاملاً إذا تحوّل إلى مجرد منفّذ صامت للقوانين، أو ترس صغير في آلة اجتماعية ضخمة لا يملك حق التساؤل.
وفي السياق الديني، وبخاصة في الفكر الإسلامي، يُنظر إلى الإنسان على أنه مكلَّف، أي كائن حرّ مسؤول، يُخاطَب عقله ووعيه قبل جسده وسلوكه. فالتكليف الديني لا يقوم على الإكراه، بل على الفهم والإدراك، ويقول تعالى في الكثير من الآيات (أفلا تعقلون)، (أفلا يتفكرون)، (لعلهم يفقهون)، وهذا يؤكد أن الوعي سابق على الالتزام، وأن الطاعة التي لا يرافقها وعي تتحول إلى سلوك شكلي بلا قيمة أخلاقية. كما أن القوانين في الرؤية الدينية ليست نقيضًا لحرية الإنسان، بل إطارًا يحفظ هذه الحرية من الانزلاق إلى الفوضى أو الظلم.
والأهم من ذلك أن الدين يضيف بُعدًا عميقًا لا توفره القوانين الوضعية وحدها، وهو الرقابة الذاتية؛ إذ يصبح الإنسان ملتزمًا بالقيم والقوانين حتى في غياب الرقيب الخارجي، انطلاقًا من وعيه بمسؤوليته أمام الله سبحانه وتعالى.
وأما من الناحية التاريخية، فلم تكن مشكلة الإنسان مع القانون في وجوده، بل في تحوّله أحيانًا إلى أداة بيد السلطة. وهنا يظهر التمييز الجوهري بين:
• الخضوع الواعي للقانون،
• والخضوع القسري للسلطة،
فالإنسان الواعي لا يرفض القوانين لمجرد الرفض، ولا يقبلها لمجرد أنها نافذة، بل يمارس حقه في النقد الأخلاقي والتقييم العقلاني. ومن هنا، يصبح الوعي شرطًا أساسيًا لأي مجتمع عادل؛ لأنه يحول دون تقديس القوانين أو شرعنة الظلم باسم النظام.
وفي الفكر القانوني الحديث، لم يعد الاهتمام منصبًّا فقط على نصوص القوانين، بل على روح القانون ومقاصده. فالقانون العادل هو الذي:
• يراعي الواقع الاجتماعي،
• يحمي الإنسان لا النظام فقط،
• يوازن بين الحقوق والواجبات،
• يتسم بالمرونة القابلة للتطوير،
وعندما يغيب هذا البعد المقاصدي، تتحول القوانين إلى نصوص جامدة قد تُطبَّق بعدالة شكلية، لكنها تنتج ظلمًا واقعيًا.
نحو رؤية تكاملية
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في التعارض بين الإنسان والأنظمة، بل في غياب الوعي عند أحد الطرفين أو كليهما. فالقوانين بلا وعي أخلاقي وقيمي تتحول إلى عبء، والوعي بلا إطار نظامي يتحول إلى نزعة فردية قد تفضي إلى الفوضى. وعليه، فإن المجتمع السليم هو الذي:
• يبني قوانينه على أساس إنساني أخلاقي،
• ينمّي وعي أفراده بحقوقهم وواجباتهم،
• يجعل من الإنسان غاية لا وسيلة،
• ويحوّل النظام من أداة ضبط إلى أداة تمكين،
ويبقى الإنسان هو محور كل نظام وقانون، وبدونه يفقد القانون معناه. فالوعي هو الجسر الذي يربط الإنسان بالأنظمة والقوانين، ويحوّلها من قيود خارجية إلى التزام داخلي نابع من قناعة عقلية وأخلاقية. ومن هنا، فإن مستقبل المجتمعات لا يُبنى فقط بتكثير القوانين، بل بتعميق الوعي الإنساني الذي يمنح هذه القوانين معناها وروحها.
وما زال للحديث بقية،،


تعليقات
إرسال تعليق