حين تتعثر الكلمات… وتتكلم الروح: صعوبات التعلم بين الألم والأمل
بقلم د/ مروة عيسى
استشاري نفسي وتربوي ومعالج بالفن التشكيلي مؤسس مبادرة أثر والفن حياة وعضو مجلس إدارة ورئيس لجنة المرأة والطفل بنادي Premier Lions Club
في زحام الفصول الدراسية، وبين دفاتر الواجبات وصرامة التقييم، يقف بعض الأطفال في منطقة صامتة لا يُرى فيها الصراع بسهولة… إنهم أطفال صعوبات التعلم.ليسوا أقل ذكاءً، ولا أقل قدرة، لكنهم ببساطة يتعلمون بطريقة مختلفة… بطريقة تحتاج أن نفهمها قبل أن نحكم عليها.
صعوبات التعلم ليست مشكلة عابرة أو تأخرًا بسيطًا يمكن تجاوزه بالضغط أو التوبيخ، بل هي تحدٍ حقيقي يمس طريقة استقبال الطفل للمعلومة ومعالجتها والتعبير عنها. قد يقرأ الطفل الحروف لكنه لا يفهم المعنى، أو يسمع الشرح لكنه لا يستطيع تنظيم أفكاره، أو يكتب ببطء وكأن الكلمات تهرب منه.
وهنا تبدأ المعاناة…معاناة داخلية يشعر بها الطفل، قد لا يستطيع وصفها، لكنها تظهر في صورة قلق، انسحاب، فقدان ثقة بالنفس، أو حتى سلوكيات عناد وغضب.فالطفل الذي يفشل مرارًا لا يحتاج مزيدًا من النقد، بل يحتاج من يرى مجهوده، ويحتضن ضعفه، ويؤمن بقدرته.
المؤلم في الأمر ليس صعوبة التعلم ذاتها، بل الطريقة التي يُعامل بها الطفل بسببها.حين يُوصف بالكسل، أو يُقارن بغيره، أو يُطلب منه أن “يحاول أكثر” دون أن نقدم له الأدوات المناسبة، فإننا نزيد الفجوة اتساعًا، ونزرع داخله شعورًا بالعجز.
لكن الأمل دائمًا موجود…
حين نفهم أن كل طفل لديه مفتاحه الخاص للتعلم، تبدأ الرحلة الحقيقية.وحين نستخدم أدوات مختلفة مثل التعلم باللعب، أو التعلم البصري، أو الفن التشكيلي، فإننا نفتح أبوابًا كانت مغلقة.
الفن، على سبيل المثال، ليس مجرد نشاط ترفيهي، بل وسيلة عميقة للتعبير والتفريغ وبناء الثقة.من خلال الألوان والخطوط، يستطيع الطفل أن يقول ما لا يستطيع كتابته، وأن يشعر بالنجاح في مساحة لا تحكمها الدرجات.
وهنا يأتي دور الأسرة والمعلم…دور يقوم على الفهم، والصبر، والتقبل، لا على الضغط والمقارنة.دور يرى في الطفل إمكانياته لا عثراته، ويحتفل بتقدمه مهما كان بسيطًا.
صعوبات التعلم ليست نهاية الطريق… بل بداية لطريق مختلف، يحتاج أن نسير فيه بوعي ورحمة.فكم من طفل عانى في صغره، ثم أصبح مبدعًا حين وجد من يفهمه!
في النهاية…علينا أن نتذكر دائمًا أن كل طفل يحمل بداخله نورًا،ومهمتنا ليست أن نغيره…بل أن نساعده ليضيء بطريقته الخاصة.

تعليقات
إرسال تعليق