هو ليه حظ الشطار شمر وطار ؟!
كتبت د أميرة الشريف
عندما نحاول أن نكون أقوياء طوال الوقت قد ينقلب الأمر
تعبت… لكنك لم تتوقف.
احتجت أن ترتاح… لكنك أكملت.
قلت لنفسك:
“مش وقته انى ارتاح.”
"مش وقته انى احتفل"
"مفهاش حاجه لو اخرت الحاجه الى بحبها"
ومرة بعد مرة… أصبحت القوة هي الخيار الوحيد.
إلى أن وجدت نفسك يومًا ما لا تعرف:
هل أنت قوي فعلًا… أم فقط لم تتعلم كيف تتوقف؟
⸻
و تمر الأيام…
وأنت بتلعب دور الشخص القوي.
الكل يعتمد عليك
و مش بتقدر تعمل توكيل لاي حد حتى لاصغر المهام في حياتك
لكن في لحظة غير متوقعة—
تجد نفسك منهكًا، أو غاضبًا، أو تبكي دون سبب واضح او معتش قادر تعمل و لا حاجه حرفيا اما لتعب جسدي مزمن او اضطراب نفسي حاد.
و هنا تقف و تسال نفسك:
انا ازاي وصلت هنا…
رغم أنني كنت “مسيطرًا” طوال الوقت؟
⸻
هل القوة دائمًا قوة فعلًا؟
كثير من الناس يربطون بين القوة وبين القدرة على التحمل:
• ألا ننهار
• ألا نشتكي
• أن نستمر… مهما كان الثمن
لكن ماذا لو كانت هذه “القوة” أحيانًا ليست إلا
وسيلة للبقاء… وليست طريقة حقيقية للعيش؟
(بسمعها في الجلسات: انا كل حاجه في حياتى صح و تحت السيطره لاكن مش حاسه انى بجد او عارفه اتبسط او استمتع بالعيشه)
⸻
لماذا نحاول أن نكون أقوياء طوال الوقت؟
في الجلسات، أسمع كثيرًا جملة تتكرر:
“مش هينفع أضعف… لو ضعفت الدنيا هتقع.”
هذه الجملة لا تأتي من فراغ.
غالبًا ما تكون نتيجة تجارب تعلمت فيها أن:
• الضعف غير آمن
• الاحتياج غير مسموح
• أو أنه لا يوجد من يمكن الاعتماد عليه
فتتعلم تدريجيًا أن الحل الوحيد هو:
أن تكون قويًا… و دائمًا.
⸻
ماذا يحدث داخلنا ونحن نحاول التماسك؟
من الخارج قد تبدو متماسكًا…
لكن في الداخل يحدث شيء مختلف.
المشاعر لا تختفي… بل يتم تأجيلها.
التعب لا يزول… بل يتراكم.
ويدخل الجسم في حالة تحمّل مستمر.
وهنا يبدأ ما يمكن وصفه بـ:
الإرهاق الصامت.
⸻
عندما تتحول القوة إلى عبء…
في إحدى الحالات، كانت هناك أم تعاني من مشكلة في المرارة، وكانت تحتاج إلى تدخل جراحي بسيط.
لكنها كانت تؤجل العملية لسنوات، مبررة ذلك بأن أبناءها في مراحل دراسية مهمة، وأن غيابها ولو لأيام قليلة قد يؤثر عليهم. وكانت تقول:
“مينفعش أغيب عن البيت… ولادي محتاجينّي.”
مرت السنوات (حرفيا ١٠ سنوات)، وتحملت خلالها ألمًا متكررًا، واعتمدت على المسكنات لفترات طويلة.
وفي النهاية، اضطرت لإجراء العملية…
لكن بعد أن أصبح جسدها أكثر إنهاكًا، أصبح الثمن أكبر بكثير من الذي كانت تخشاه.
والمفارقة أن أبناءها—وقت العملية—
تعلموا الاعتماد على أنفسهم، وتجاوزوا الأمر.
ما الذي حدث هنا؟
لم تكن المشكلة في القوة…
بل في أن القوة كانت موجهة ضد احتياجاتك أنت.
⸻
لماذا نتحمل أكثر مما ينبغي أحيانًا؟
في الجلسات، أسمع كثيرًا:
“أنا متعودة أستحمل…”
التحمل هنا ليس دائمًا اختيارًا…
بل نمط نفسي قديم.
يتشكل عندما:
• تكون دائمًا الشخص المسؤول
• أو عندما لا توجد مساحة آمنة للاحتياج
• أو عندما ترتبط قيمتك بقدرتك على التحمل
⸻
“حظ الشطار: شَمَّر وطار”
كبرنا على أفكار كثيرة تشبه هذا المعنى:
أن القيمة في الاستمرار،
وأن التوقف ضعف،
وأن “الشاطر” هو من يتحمل أكثر… ويكمل أسرع.
لكن مع الوقت، قد نكتشف أن هذا النمط—رغم أنه يبدو قوة—
قد يدفعنا أحيانًا إلى تجاهل احتياجاتنا الأساسية.
فليس كل من “شمّر وطار” كان قويًا…
بعضهم فقط لم يجد مساحة آمنة ليتوقف.
وأحيانًا لا يكون التحدي أن نكمل…
بل أن نسمح لأنفسنا أن نتوقف.
(احيانا قوتنا فيما لا نفعله ليس فقط فيما نفعله)
⸻
عندما تصبح “القوة” محاولة لإرضاء الجميع
في بعض الحالات، لا يكون التمسك بالقوة مجرد تحمل…
بل جزء من نمط أعمق تشكّل بعد تجارب صادمة.
يُعرف هذا أحيانًا بـ الاستجابة الإرضائية (Fawn Response).
حيث يتعلم الإنسان أن يحافظ على الأمان من خلال:
• إرضاء الآخرين
• تجنب الصراع
• تقديم احتياجات الآخرين على حساب نفسه
في الجلسات، تظهر جمل مثل:
“مش مهم أنا… المهم الدنيا تمشي.”
ومع الوقت، يختلط هذا النمط بما نسميه “القوة”…
بينما هو في الحقيقة محاولة مستمرة للحفاظ على التوازن حولنا.
⸻
ماذا يحدث في الجهاز العصبي؟
تشير الأبحاث إلى أن الكبت المستمر للمشاعر يرتبط بزيادة التوتر والإجهاد مع الوقت
(Gross & John, 2003).
يدخل الجسم في حالة تحمّل مستمر:
• توتر منخفض لكنه دائم
• استنزاف تدريجي للطاقة
• غياب فترات الراحة الحقيقية
وبين ما يحاول العقل أن يتحمله…
وما يبدأ الجسد في التعبير عنه…
تظهر تكلفة “القوة المستمرة” بشكل أوضح.
كما يشير الطبيب والباحث جابور ماتيه (Gabor Maté) إلى أن:
“عندما لا نستطيع قول ‘لا’، قد يضطر الجسد أن يقولها نيابةً عنا.”
فالجسد أحيانًا لا يحتمل ما نحاول نحن تحمّله،
ويبدأ في التعبير بطرق مختلفة—قد تكون في صورة إرهاق، أو أعراض جسدية، أو اضطرابات نفسجسمية.
⸻
لماذا يأتي الانهيار فجأة؟
في الجلسات أسمع:
“كنت كويس… وفجأة بقيت مش قادر.”
لكن الحقيقة أن:
• المشاعر كانت تتراكم
• التعب كان يُؤجل
• والجهاز العصبي كان يعمل فوق طاقته
إلى أن تصل لنقطة لا يمكنك فيها الاستمرار بنفس الطريقة.
فالانهيار في كثير من الأحيان ليس ضعفًا مفاجئًا…
بل نتيجة قوة طويلة لم يُسمح لها أن ترتاح.
⸻
هل تعني القوة أن لا نضعف؟
في الحقيقة، القوة ليست أن نظل دائمًا في حالة تحمّل.
تشير بعض مفاهيم نظرية العصب الحائر (Polyvagal Theory) إلى أن الصحة النفسية لا تتعلق بأن نكون هادئين طوال الوقت، أو قادرين على المواجهة طوال الوقت،
بل بقدرتنا على الانتقال المرن بين الحالات المختلفة حسب ما يتطلبه الموقف.
بمعنى آخر:
ليست المشكلة أن نشعر بالتوتر أحيانًا…
ولا أن نحتاج للراحة أحيانًا…
بل المشكلة عندما نظل عالقين في حالة واحدة فقط.
فالبعض يعيش في وضع “الاستمرار والتحمل” طوال الوقت،
والبعض الآخر قد ينسحب أو ينهار سريعًا…
لكن التوازن الحقيقي هو في القدرة على التنقل بين الحالتين.
يمكن تشبيه ذلك بقيادة السيارة:
القيادة الحكيمة لا تعني أن تضغط على دواسة السرعة طوال الوقت،
ولا أن تظل ضاغطًا على الفرامل دائمًا…
بل أن تكون قادرًا على استخدام كلٍ منهما في الوقت المناسب.
أن تعرف متى تتحرك…
ومتى تهدأ…
ومتى تتوقف.
ولهذا، فالقوة الحقيقية لا تظهر فقط في قدرتنا على التحمل…
بل في قدرتنا على الإنصات لما يحتاجه جسدنا ونفسنا في كل لحظة.
⸻
كيف يمكن كسر هذا النمط؟
• ملاحظة الضغط الزائد على النفس
• الاعتراف بالتعب بدل تجاهله
• السماح بمساحات للراحة
• طلب المساعدة دون شعور بالذنب
في العمل العلاجي، يكتشف كثير من الناس أن المشكلة لم تكن في ضعفهم…
بل في أنهم لم يمنحوا أنفسهم فرصة أن يكونوا بشرًا.
و في التراحم الذاتى دائما نؤكد على عدم انكار مشاعرنا مهنا بدت غير مرغوبه اجتماعيا مثل البكاء او الغضب
فقط اعترف بها و بحق فيها فهذا كفيل لجعلها تهدا.
⸻
لانه ومع الوقت، قد لا نلاحظ أننا لا نؤجل احتياجاتنا فقط… بل نعتاد تجاهلها.
وتشير الدكتورة Julie Smith في كتابها Open When إلى فكرة بسيطة لكنها عميقة:
“تأكد ان ‘نعم’ تقولها للآخرين… ليست ‘لا’ تقولها لنفسك.”
⸻
الخاتمة
محاولة أن نكون أقوياء طوال الوقت قد تبدو كقدرة…
لكنها أحيانًا تكون الطريقة الوحيدة التي تعلمناها لنشعر بالأمان.
لكن مع الوقت، قد نكتشف أننا لا نحمل فقط ما يحدث حولنا…
بل نحمل أيضًا أنفسنا فوق طاقتها.
وفي لحظة صدق، قد يظهر سؤال مختلف:
هل أنا قوي فعلًا…
أم أنني لم أتعلم كيف أكون ضعيفًا بأمان؟
وربما السؤال الذي تحتاجه اليوم عزيزي القارئ:
هل أنا أتحمل لأنني أستطيع…
أم لأنني أخاف أن أتوقف؟
لأن الحقيقة أحيانًا هي:
أننا لا نحاول دائمًا أن نكون أقوياء…
بل نحاول أن نكون مقبولين بما يكفي حتى لا نفقد الأمان.
فكن انت اول من يقدم الدعم و الامان لنفسك التى لها عليك حق الراحه في بعض الاحيان.
دومتم في سلام
د. أميرة الشريف
⸻
Gross, J. J., & John, O. P. (2003).
Individual differences in emotion regulation and well-being.
Journal of Personality and Social Psychology.
Maté, G. (2019).
When the Body Says No: The Cost of Hidden Stress.
Smith, J. (2023).
Open When.
⸻

تعليقات
إرسال تعليق