المشاكل حتمية .. ولكن كيف نتعامل معها ؟
كتبَ: الدكتور زكريا الخنجي
يروى أنه اشتكت أبنه لأبيها مصاعب الحياة، ومشاكلها التي لا تنتهي، فقالت إنها تواجه صعوبة في التعامل مع تلك المشكلات والمصاعب، وأنها لا تعرف ماذا تفعل لمواجهتها، فدمعت عيناها، ثم واصلت وقالت إنها تود الاستسلام، فهي تعبت من القتال والمكابدة، والصراع الذي لا ينتهي، فما أن تنتهي مشكلة حتى تظهر أخرى.
نظر إليها الأب وقلبه يتقطع، فأمسك بيده الدافئة بيديها الناعمتين وسار بها إلى المطبخ. وفي المطبخ أجلسها على الكرسي، وأخذ بعض البرتقال وصنع لها عصير، وقام بالتحدث معها في بعض الأمور من هنا وهناك، حتى هدأت الفتاة.
ثم ملأ ثلاثة أوان بالماء ووضعها على نار ساخنه، وسرعان ما أخذ الماء يغلي في الأواني الثلاثة، فوضع في الإناء الأولى جزرًا، وفي الثانية بيضة، ووضع بعض حبات القهوة المحمصة والمطحونة في الإناء الثالثة، وأخذ ينتظر أن تنضج وهو ما زال يتحدث معها عن حياتها وعملها وبعض الأمور التافهة.
نفذ صبر الفتاة، وهي حائرة لا تدري ماذا يريد أبوها، ولكنها انتظر وذهبت تساير والدها الذي ما زال يتحدث في أمور ليست ذات علاقة بالموضوع الذي تحدثت فيه.
انتظر الأب بضع دقائق، ثم أطفأ النار، ثم أخذ الجزرة ووضعها في وعاء، وأخذ البيضة ووضعها في وعاء ثان، وأخذ القهوة المغلية ووضعها في وعاء ثالث.
ثم نظر إلى ابنته وهو يبتسم، فقال: ماذا ترين ؟
أجابت الابنة وهي مندهشة: جزرة وبيضة وقهوة.
طلب منها أن تتحسس الجزرة، فلاحظت أنها صارت ناضجًا وطريًا ورخوة.
ثم طلب منها أن تنزع قشرة البيضة، فلاحظت أن البيضة باتت صلبة.
ثم طلب منها أن ترتشف بعضًا من القهوة، فابتسمت الفتاة على مضض، فعندما ذاقت نكهة القهوة وجدتها غنية.
سألت الفتاة: ولكن ماذا يعني هذا يا أبي ؟
قال الأب: أعلمِ يا ابنتي، أن كلا من الجزرة والبيضة والبن واجها الخصم نفسه، وهو المياه المغلية، لكن كلا منها تفاعل معها على نحو مختلف. فقد كان الجزرة قويًا وصلبًا، ولكنها ما لبث أن تراخت وضعفت، بعد تعرضها للمياه المغلية.
أما البيضة فقد كانت قشرتها الخارجية تحمي سائلها الداخلي، لكن هذا الداخل ما لبث أن تصلب عند تعرضه لحرارة المياه المغلية.
أما القهوة المطحونة فقد كان رد فعلها فريدة، إذ أنها تمكنت من تغيير الماء نفسه.
والآن، ماذا عنك ؟
هل أنت – يا ابنتي – الجزرة التي تبدو صلبة، ولكنها عندما تتعرض للألم والصعوبات تصبح رخوة طرية وتفقد قوتها وصلابتها ؟ أم أنك البيضة، ذات القلب الرخو، ولكنه إذا ما واجهت المشاكل تصبح قويًا وصلبًا ؟ وقد تبدو قشرتك ما تزال كما هي، ولكنك تغيرت من الداخل، فبات قلبك قاسيًا ومفعمًا بالمرارة.
أم أنك مثل البن المطحون، الذي يغيّر الماء الساخن وهو مصدر للألم، بحيث يجعله ذا طعم أفضل ؟
فإن كنت مثل البن المطحون، فإنك تجعلين الأشياء من حولك أفضل وأحسن إذا ما بلغ الوضع من حولك الحالة القصوى من السوء. ثم انهى جملته بقوله: فكري يا ابنتي كيف تتعاملين مع المصاعب، فالمصاعب حتمية ولكن كيف نتفاعل معها.
وعند هذا الحد تنتهي الحكاية.
وفي الحياة، لا تنفك أن تتكالب المشكلات والصاعب على البشر، فنحن لسنا في الجنة حيث الحياة الرغيدة والهانئة، ولكننا هنا سنجد أنفسنا بصورة يومية أمام معضلة أو مشكلة أو ربما أزمة، وهذا أمر طبيعي، ولكن من غير الطبيعي أن نجلس ونضع رأسنا بين كفينا ونبكي على حالنا، فلكل مشكلة أساس وجذور فلو بحثنا في العمق قليلاً سنجد الجذور وبالتالي يمكننا أن نضع الحلول الناجعة لها.
وربما عندما نعود إلى قصة سيدنا يوسف عليه السلام، نجد أنه عليه السلام لم يكن يتوقع في يوم ما أنه سيخرج من كنف والده المحب ليلقى في غياهب الجب، ونحسب أن هناك شعر عليه السلام بالغبن والأسف على ما حدث له، ولكن هذا الجب نقله إلى قصر العزيز، الذي عاش فيه فترة من عمره معززًا مكرمًا، إلا أن الراحة والعزة لا يدومان، فمن القصر ذهب إلى السجن، ولم يكن يعرف أحد في العالم في ذلك الوقت أن هذا السجن سيقوده إلى أعلى منصب في الدولة المصرية آنذاك، ليس ذلك فحسب وإنما أصبح هو الشخص المؤثر ليس في مصر فحسب وإنما في بقية الأقطار المحيطة بمصر.
في الحقيقة نحن لا نعلم لماذا تواجهنا كل تلك المشكلات والمصائب، ولكن الذي نعلمه والذي يجعلنا مطمئنين أن الله سبحانه وتعالى هو الذي وضع تلك العراقيل في طريقنا، وأن نواصينا بيده، حكمه ماض فينا، وقضاءه عدل.
وهذه حقيقة، إلا أنه سبحانه وتعالى لا يريد منا أن نركن ونجزع وألا نعمل شيئًا في مواجهة كل تلك المشكلات، وإنما أمرنا أن نواجهها ونسعى لوضع الحلول مهما كانت، ففي طريق العراقيل وضع الحلول أيضًا، وقال أبحث، عندما حتمًا سنجد تلك الحلول التي ترضينا وتطمئن بها الأنفس.
فالسيدة مريم عليها السلام وهي في أشد حالاتها لم يلق عليها سبحانه وتعالى الرطب ولم يسقيها الماء، وإنما قال لها كما ورد في سورة مريم – الآية 15 (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا).
والآن، عندما تواجهنا معضلة أو مشكلة عليك أن تختار ماذا تريد أن تكون، جزرة، أو بيضة، أم قهوة، والخيار لك.
#وعي_جديد
#مجلة_وعي_جديد
#وعي_جديد_وعي_يصنع_الفرق
#وعي_يصنع_الفرق
#نحو_وعي_أفضل
#ثقافة_ووعي
#بالعلم_نرتقي
#وعي_مجتمعي

تعليقات
إرسال تعليق