الصحة النفسية
الحارس الخفي لاستقرار العلاقات
بقلم / نيرمين محمد
اخصائي ارشاد نفسي وأسري
إن الانسان الذي يتمتع باتزان نفسي يمتلك " نظارة" صافية يري بها الطرف الآخر في علاقاته - سواء كان شريك حياة أو صديق - حيث أن العلاقات الإنسانية هي انعكاس للعلاقة مع الذات.
و يظهر أهمية التوازن النفسي كأداة لإدارة الغضب - والغضب هو الازمة الفارقة التي تمر بها العلاقات - لذلك فإن ادارة الغضب هي الخطوة الهامة والفاصلة في استمرار واستقرار العلاقات الإنسانية.
وهنا يطالعنا مصطلح " نافذة التحمل" Window Tolerance، ويشير هذا المصطلح الذي ابتكره الطبيب النفسي دانيال سيجل الي الطريقة التي يتعامل بها الجهاز العصبي مع الضغوط.
فنافذة التحمل تعبر عن الحالة التي يستطيع فيها الانسان مواجهة المواقف المزعجة والتوتر بطريقة متزنة دون أن يطغي عليه الانفعال او الانهيار.
ونحن داخل هذه النافذة نكون في حالة توازن، نفكر بوضوح، ونتعامل مع المشاعر من دون أن تسيطر علينا.
ولكن عندما نتعرض لضغط يفوق قدرتنا، نخرج إما إلى فرط الاستثارة حيث الغضب والهلع والتوتر، وإما إلى الخمول والانفصال العاطفي حيث يشعر المرء بالجمود واللا مبالاة.
َوالشخص المتزن نفسيا هو من يمتلك نافذة تحمل واسعة، مما يجعله يستوعب الاستفزازات دون أن يفقد السيطرة على أعصابه.
الاندفاعية هي صورة من صور الغضب الشديد، وهي استجابة بيولوجية قبل أن تكون سلوكية، و التوازن النفسي هو ما يمنحنا القدرة على خلق ثوانٍ قليلة بين الغضب وبين الكلمة الأولى؛ هذه الثواني هي التي تحمي العلاقات من الندم.
إن الغضب غالباً ما يكون "قناعاً" لمشاعر أخرى مثل الخذلان، الحزن، أو الضعف.
و التوازن النفسي هو ما يمنحنا الشجاعة لنكشف عن الشعور الحقيقي بدلاً من الاختباء خلف قناع الغضب المؤذي.
ولذلك يجب أن ندرك أن علاقاتنا مع الآخرين ليست مستودعاً نلقي فيه مخلفات ضغوطنا النفسية وانفجاراتنا الغاضبة، بل هي مرآة تعكس مدى تصالحنا مع ذواتنا.
إن التوازن النفسي ليس حالة من السكون الدائم، بل هو القدرة على العودة الي الاستقرار الداخلي مهما عصفت بنا رياح المواقف.
لذلك فنحن عندما نختار استثمار الوقت والجهد في ترميم صحتنا النفسية، نحن لا نخدم أنفسنا فحسب، بل نهدي شركائنا في الحياة أجمل عطاء ممكن " علاقات آمنة مستقرة".
ومن هنا يجب أن يكون هدفنا ليس تجنب الغضب كلياً، بل تحويله من طاقة هدم إلى قوة فهم، ومن اندفاع يفرقنا إلى حوار يقربنا، فالعلاقات الإنسانية في جوهرها هي ما يبقى لنا في هذه الحياة، وصيانتها تبدأ من صيانة أنفسنا أولاً.

تعليقات
إرسال تعليق