القائمة الرئيسية

الصفحات

شريط الاخبار

اغتيالٌ صامتٌ لكرامة ذوي الاحتياجات الخاصة بقلم: الأخصائية شروق أحمد أخصائي تربية خاصة

اغتيالٌ صامتٌ لكرامة ذوي الاحتياجات الخاصة  بقلم: الأخصائية شروق أحمد  أخصائي تربية خاصة

 اغتيالٌ صامتٌ لكرامة ذوي الاحتياجات الخاصة

بقلم: الأخصائية شروق أحمد

أخصائي تربية خاصة

في مجتمعاتٍ تُرفَع فيها شعارات الإنسانية والرحمة، تُرتكَب أحيانًا جرائم لا يُسفك فيها دم، ولا تُسمَع لها صرخات، لكنها تترك جراحًا عميقة لا تُرى بالعين. جرائم تُمارَس في الخفاء، وتُبرَّر أحيانًا بالمزاح أو العفوية، بينما هي في حقيقتها انتهاكٌ صريح لكرامة إنسان لم يطلب سوى القبول والاحترام. وهناك فئة تدفع ثمن هذا الصمت القاسي يومًا بعد يوم، فقط لأنها مختلفة.

يُعَدّ التنمّر واحدًا من أخطر السلوكيات السلبية التي تنخر في نسيج المجتمع وتهدّد تماسكه الإنساني، وتتضاعف خطورته حين يُمارَس ضدّ الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، لما يخلّفه من آثار نفسية واجتماعية عميقة قد تلازم الضحية لسنوات طويلة. فهؤلاء الأفراد في أمسّ الحاجة إلى الدعم والتفهّم والاحترام، لا إلى السخرية أو الإيذاء أو الإقصاء.

ويأخذ التنمّر صورًا متعددة وأشكالًا مختلفة، من بينها السخرية من الشكل الجسدي أو طريقة الحركة أو الكلام، وإطلاق الألقاب الجارحة، والاستبعاد المتعمَّد من الأنشطة الاجتماعية، وصولًا إلى الاعتداء اللفظي والجسدي. وتؤدي هذه الممارسات القاسية إلى شعور الضحية بالحزن والانكسار وفقدان الثقة بالنفس، كما قد تنعكس سلبًا على تحصيله الدراسي، وصحته النفسية، وقدرته على بناء علاقات اجتماعية سليمة.

ولا يقتصر ضرر التنمّر على الفرد المتعرّض له فحسب، بل يمتد أثره ليشمل المجتمع بأكمله؛ إذ يسهم في نشر الكراهية، ويُضعِف قيم الرحمة والتكافل والتعاون بين أفراده. فالمجتمع الذي يسمح بمثل هذه السلوكيات، خصوصًا تجاه الفئات الأكثر ضعفًا، هو مجتمع يفرّط في إنسانيته وقيمه الأخلاقية.

والحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها أن الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة يمتلكون قدرات ومواهب مميزة، وقد أثبت كثير منهم قدرتهم على الإنجاز والتفوّق وتحقيق نجاحات عظيمة، حينما وجدوا بيئة داعمة تؤمن بإمكاناتهم وتُقدّر اختلافهم بدلًا من السخرية منه.

ومن هنا تبرز أهمية مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة من خلال نشر الوعي بثقافة احترام الاختلاف، وتفعيل دور الأسرة والمدرسة في غرس القيم الأخلاقية السليمة، وتشجيع الأبناء على تقبّل الآخر والتعامل معه بإنسانية ورحمة. كما لا بدّ من تطبيق القوانين التي تُجرّم التنمّر بحزم، إلى جانب توفير الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا، لمساعدتهم على تجاوز آثار هذه التجارب المؤلمة.

وفي الختام، فإن محاربة التنمّر مسؤولية جماعية يشترك فيها الفرد والأسرة والمؤسسة التعليمية والمجتمع بأكمله. وبناء مجتمع إنساني متماسك يبدأ بكلمة طيبة، وسلوك واعٍ، وتصرف يحفظ كرامة الإنسان ويصون حقه في الاحترام، أيًّا كانت قدراته أو ظروفه.

تعليقات