لا تسأل: لماذا يدخن؟ اسأل: لماذا يتألم؟
بقلم / سماح حسين
أخصائي نفسي وإرشاد أسري
أخصائية تخاطب وتعديل سلوك
لايف كوتش
شرب السجائر عند المراهقين ليس مجرد سلوك طائش أو تجربة عابرة بدافع الفضول، بل في كثير من الأحيان هو اختيار خطِر نابع من ألم داخلي لم يجد من يسمعه أو يحتويه.
فمرحلة المراهقة تُعد من أكثر المراحل حساسية في حياة الإنسان؛ إذ تمتلئ بالتغيرات النفسية والجسدية والاجتماعية، ويكون فيها المراهق في رحلة بحثٍ شاقة عن هويته، وعن شعوره بالقوة، وعن مكانه في هذا العالم.
وحين يعيش هذا المراهق داخل بيتٍ يفتقد الأمان، ويغلب عليه العنف الأسري أو الخلافات الزوجية المستمرة، يصبح الألم النفسي ضاغطًا، وقد يدفعه للبحث عن أي متنفس للهروب… حتى لو كان هذا المتنفس سيجارة.
أحيانًا تكون السيجارة وسيلة مؤقتة للشعور بالهدوء، أو محاولة وهمية لاستعادة السيطرة والقوة في عالم يشعر فيه بالعجز.
وسرعان ما يتحول هذا الهروب المؤقت إلى عادة صعبة الإقلاع، وربما إلى إدمان مبكر يترك آثاره العميقة لاحقًا.
قال الله تعالى:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ – سورة البقرة
وهي آية تختصر فلسفة التربية الآمنة؛ فالكلمة الطيبة، والحوار الهادئ، والاحتواء العاطفي ليست رفاهية، بل درع نفسي حقيقي يحمي أبناءنا من الانجراف نحو السلوكيات المؤذية.
العنف الأسري وتأثيره على المراهق
عندما يعيش المراهق في بيئة يسودها العنف، تتشكل بداخله مشاعر خطيرة، من بينها:
الشعور بعدم الأمان
ضعف الثقة بالنفس
القلق والتوتر المزمن
اللجوء إلى سلوكيات ضارة كالتدخين أو العنف أو العزلة
الخلافات الزوجية… جرح صامت
حتى في غياب العنف المباشر، فإن الخلافات المستمرة بين الأب والأم تترك أثرًا نفسيًا بالغًا، مثل:
شعور دائم بعدم الاستقرار
قلق داخلي وضغط نفسي
تراجع في الأداء الأكاديمي والاجتماعي
البحث عن متنفس خارج البيت، وغالبًا يكون التدخين أحد هذه المنافذ
لماذا يلجأ المراهق للتدخين؟
الهروب من الواقع: النيكوتين يمنح شعورًا مؤقتًا بالهدوء
الإحساس بالقوة أو التحكم: كتعويض عن شعور داخلي بالعجز
التقليد الاجتماعي: خاصة إذا شعر بالرفض أو العزلة داخل أسرته
العواقب الصحية والاجتماعية
ضعف الرئتين والقلب وتأخر النمو الطبيعي
الإدمان المبكر على النيكوتين وصعوبة الإقلاع لاحقًا
زيادة معدلات القلق والاكتئاب على المدى الطويل
العزلة الاجتماعية والابتعاد عن الأقران غير المدخنين
رسالة إلى الآباء والأمهات
طفلكم ليس عنيدًا بلا سبب.
فالمراهق الذي يعيش في بيت مليء بالصراخ، أو الخلافات، أو العنف النفسي أو الجسدي، قد لا يجد لغة للتعبير سوى سلوكيات مؤذية لنفسه.
استمعوا إليه… لا تحاكموه.
تفهموا مشاعره قبل أن تحاسبوا أفعاله.
امنحوه الأمان النفسي والاحتواء العاطفي.
حافظوا على بيئة أسرية هادئة قدر المستطاع.
تذكّروا دائمًا:
الكلمة الطيبة قد تنقذ ابنكم من طريقٍ مظلم.
في الختام، يمكن القول إن التدخين عند المراهقين غالبًا ما يكون صرخة صامتة للبحث عن الأمان النفسي.
وقد تكون الخلافات الزوجية والعنف الأسري سببًا مباشرًا، لكن الفهم، والدعم، والحب، والكلمة الطيبة، قادرة على تغيير مسار حياة المراهق وحمايته من العادات المدمرة.

تعليقات
إرسال تعليق