المراهقة… مرحلة التحدي وبناء الهوية
بقلم: الأخصائية أسماء أشرف شوقي
أخصائي نفسي وأسري
تُعدّ مرحلة المراهقة من أكثر المراحل العمرية التي يواجه خلالها الأبوان تحديات كبيرة، إذ تطرأ على الأبناء تغيرات جسدية ونفسية وفكرية عميقة، قد يفسرها الوالدان أحيانًا على أنها تمرد أو خروج عن المألوف.
وخلال هذه المرحلة، قد يشعر الوالدان بالإرهاق نتيجة مجموعة من السلوكيات الجديدة التي تظهر على الأبناء، مثل عدم الاستجابة للتوجيهات، والرغبة القوية في الاستقلال وإبداء الرأي بحدة، وارتفاع نبرة الصوت داخل المنزل، ومحاولة فرض الرأي على الإخوة الأصغر أحيانًا بالأذى القولي أو الفعلي. كما قد يلاحظ تراجع في المستوى الدراسي، وظهور بعض السلوكيات العدوانية أو الانفعالية، إلى جانب شعور دائم بالتضجر وعدم الرضا، والتعبير المتكرر عن عدم الإعجاب بأسلوب الحياة داخل الأسرة.
وقد يبدو وكأن لسان حال المراهق يقول: «لن أعيش في جلباب أبي»؛ أي إنه يرفض أن يكون نسخة مكررة، ويسعى لتكوين هويته الخاصة وبناء شخصيته المستقلة.
وهنا يحدث الاختلاف في التفسير بين الطرفين؛ فيُرى الرفض تمردًا، ويُفسَّر التفرد على أنه عناد، ويُعتبر الانفعال سوء تربية. فيدخل القلق إلى قلوب الوالدين خوفًا من انحراف الابن أو ضياع مستقبله، ويصبح التفكير فيه الشغل الشاغل لهما.
لكن الحقيقة التي ينبغي التوقف عندها هي أن المراهقة ليست مرحلة صدام، بل مرحلة انتقالية حساسة تحتاج إلى وعي وحكمة في التعامل، بعيدًا عن الإفراط أو التفريط.
فالمراهقة ليست مرضًا، وليست تمردًا دائمًا، بل مرحلة طبيعية لبناء الهوية والاستقلال النفسي. والتحدي الحقيقي لا يكمن في منع التغير، وإنما في توجيهه ليصبح إيجابيًا وبنّاءً.
كيف نتعامل مع المراهق بحكمة؟
الاحتواء قبل التقويم: الاستماع الجيد قبل إصدار الأحكام.
الحوار بدل الأوامر: فتح مساحة للنقاش الهادئ واحترام الرأي.
وضع حدود واضحة: دون قسوة أو تهديد.
تعزيز الإيجابيات: بدل التركيز المستمر على الأخطاء.
تجنب المقارنات: لأنها تضعف الثقة بالنفس.
تفهم الحاجة للاستقلال: مع توجيه تدريجي نحو تحمل المسؤولية.
فالمراهق إذا وجد الاحترام قدّم الولاء، وإذا وجد الحوار استجاب، وإذا شعر بالأمان هدأ سلوكه.
إن الهدف الحقيقي في هذه المرحلة ليس كسب المعركة مع الأبناء، بل كسبهم هم. وليس المطلوب أن يعيش الابن في جلباب أبيه، بل أن ينشأ شخصية مستقلة ناضجة تحمل القيم نفسها بأسلوبها الخاص.
فالاستقلال لا يعني القطيعة، والاختلاف لا يعني العداء، والمراهقة ليست صراعًا… بل فرصة حقيقية لبناء إنسان قوي ومتوازن.


تعليقات
إرسال تعليق