السلوك الإنساني بوصفه مدخلا للفهم التربوي
....................................
بقلم / د صفاء مصطفى
استشارى التربية الخاصة
....................................
لا يمكن النظر إلى السلوك الإنساني بوصفه مجرد استجابات عشوائية تصدر عن الفرد بل هو نتاج تفاعل معقد بين عوامل نفسية وتربوية واجتماعية وبيولوجية فالسلوك في جوهره لغة غير مباشرة تعبّر عن احتياجات الفرد وصراعاته الداخلية وطبيعة علاقته بالبيئة المحيطة
ومن هذا المنطلق يصبح فهم السلوك شرطا أساسيا لأي تدخل تربوي ناجح إذ إن التدخل الذي لا يستند إلى تحليل علمي للسلوك غالبا ما يكون محدود الأثر وربما يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى البعيد
*مفهوم السلوك في الإطار التربوي
................................
يعرف السلوك بأنه كل ما يصدر عن الفرد من استجابات ظاهرة أو داخلية يمكن ملاحظتها أو استنتاجها نتيجة تفاعله المستمر مع البيئة ولا يقتصر السلوك على الأفعال الحركية أو اللفظية بل يشمل أيضا أنماط التفكير والانفعال والاستجابة للمواقف المختلفة
ويتميز السلوك بثلاث خصائص أساسية:
أولها قابليته للتعلم والتعديل وثانيها ارتباطه بالسياق البيئي وثالثها قابليته للتفسير في ضوء الوظيفة التي يؤديها للفرد
*السلوك بين الطبيعي وغير التكيفي
....................................
ليس كل سلوك غير مرغوب مشكلة تستدعي التدخل كما أن ليس كل اختلاف عن النمط السائد دليلا على اضطراب فالسلوك الطبيعي يتسم بالمرونة والتغير وفق المراحل النمائية بينما يظهر السلوك غير التكيفي عندما يفقد الفرد القدرة على التوافق مع متطلبات البيئة أو يعجز عن التعبير عن احتياجاته بأساليب مناسبة
ومن هنا يصبح السؤال التربوي الجوهري ليس: ما هو السلوك الذي يظهر؟ بل: لماذا يظهر هذا السلوك؟ وما الوظيفة التي يؤديها للطفل؟
*متى يصبح تعديل السلوك ضرورة تربوية؟
....................................
يصبح تعديل السلوك ضرورة عندما يتحول السلوك إلى عائق أمام نمو الطفل النفسي أو الأكاديمي أو الاجتماعي أو عندما يتكرر بصورة تؤثر على قدرته على التفاعل مع الآخرين
كما يستدعي التدخل التربوي عندما يفقد السلوك طابعه المرحلي ويستمر خارج الإطار النمائي المتوقع لعمر الطفل
وفي هذا السياق لا ينبغي أن ينظر إلى تعديل السلوك بوصفه عملية قمع أو ضبط خارجي بل باعتباره عملية تربوية تهدف إلى إعادة بناء أنماط الاستجابة لدى الطفل بما يحقق له قدرا أكبر من التكيف والاستقلالية.
*الأبعاد التطبيقية لتعديل السلوك
....................................
تؤكد الممارسة التربوية أن التدخل السلوكي الأكثر فاعلية هو ذلك الذي يجمع بين الفهم النظري والتطبيق العملي
فالتعزيز الإيجابي
والنمذجة
وتحليل المثيرات البيئية ليست مجرد أدوات تقنية بل هي وسائل تربوية تهدف إلى خلق بيئة داعمة للسلوك الإيجابي
كما أن نجاح تعديل السلوك يرتبط بمدى تكامل الأدوار بين المدرسة والأسرة إذ لا يمكن لأي برنامج سلوكي أن يحقق نتائجه بمعزل عن البيئة اليومية للطفل
*أبعاد تربوية
...................
يشير التحليل التربوي للسلوك إلى أن الطفل ليس مجرد مجموعة من السلوكيات بل كيان نفسي واجتماعي يتشكل عبر خبراته اليومية ولذلك فإن أي تدخل سلوكي لا بد أن ينطلق من فهم عميق لطبيعة السلوك ووظيفته لا من مجرد الرغبة في تغييره
وفي ضوء ذلك تبرز الحاجة إلى تبني مقاربة تربوية شاملة في تعديل السلوك، تقوم على التحليل العلمي، والتدخل المتدرج والشراكة الفاعلة بين الأخصائيين والأسرة بما يضمن تحقيق نمو نفسي واجتماعي متوازن للطفل

تعليقات
إرسال تعليق