القائمة الرئيسية

الصفحات

شريط الاخبار

الوعي… حين يصبح الإنسان حارسًا لنفسه قبل أن تحرسه الدولة بقلم . الأخصائية/ أمنية عبد العال - أخصائية اجتماعية - دبلومة تربية خاصة

الوعي… حين يصبح الإنسان حارسًا لنفسه قبل أن تحرسه الدولة  بقلم . الأخصائية/ أمنية عبد العال - أخصائية اجتماعية - دبلومة تربية خاصة


الوعي… حين يصبح الإنسان حارسًا لنفسه قبل أن تحرسه الدولة

بقلم . الأخصائية/ أمنية عبد العال - أخصائية اجتماعية - دبلومة تربية خاصة 



لم يعد الخطر الحقيقي على الإنسان أن يعيش بلا حراسة، بل أن يعيش بلا وعي.

فالحراسة قد تؤخر الأذى، أما الوعي فيمنعه من أن يولد أصلاً.


المجتمعات لا تنهار عادةً بصوت الانفجارات، ولا تبدأ الفوضى من لحظة كسر الأبواب، بل تبدأ في تلك اللحظة الهادئة التي يفقد فيها الإنسان إحساسه بالمسؤولية تجاه غيره، حين يرى الخطأ فلا ينكره، والظلم فلا يستغربه، والإيذاء فلا يستوقفه. عندها لا يحتاج الشر إلى قوة… يكفيه الصمت.


حماية الفرد ليست وظيفة جهاز أمني، ولا مادة قانونية مكتوبة، ولا حملة إعلامية عابرة، بل هي حالة وعي عام يعيش داخل الإنسان قبل أن يعيش حوله. فالقانون يستطيع أن يعاقب المعتدي، لكنه لا يستطيع أن يخلق ضميرًا يمنع الاعتداء. والرقابة تستطيع أن تضبط السلوك الظاهر، لكنها لا تملك أن تضبط النية الكامنة. وحده الوعي يفعل ذلك.


إن الإنسان في أي مجتمع لا يُهدَّد غالبًا من الغرباء بقدر ما يُهدَّد من الاعتياد. حين يعتاد الناس التجاوز، ويعتادون السخرية، ويعتادون انتهاك الخصوصية، ويعتادون الكلمة الجارحة باعتبارها خفة دم، يبدأ المجتمع في فقدان أمانه دون أن يشعر. لأن الأمان ليس غياب الجريمة فقط، بل غياب الخوف أيضًا.


والخوف لا يصنعه المجرمون وحدهم… بل يصنعه مجتمع لا يردعهم مبكرًا.


كل أذى كبير يبدأ صغيرًا؛ كلمة تسخر من اختلاف إنسان، نظرة تحتقر ضعفه، إشاعة تجرح سمعته، صورة تُنشر بلا إذنه، رأي يُقمع لأنه لا يعجب الأغلبية. هذه التفاصيل التي يراها البعض عابرة هي في الحقيقة البذور الأولى لانعدام الأمان. فالجريمة الكبرى ليست قفزة مفاجئة، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من التساهل.


من هنا يصبح الوعي حماية للفرد قبل أن يكون توجيهًا أخلاقيًا له. حين يدرك الإنسان أن كرامة الآخر امتداد لكرامته، وأن إيذاء غيره تقويض مباشر لأمانه الشخصي، يتغير سلوكه دون حاجة إلى تهديد أو رقابة. لأن المجتمع في جوهره شبكة مشاعر قبل أن يكون شبكة قوانين، وإذا تمزقت مشاعر الاحترام تمزقت معه كل مواد التشريع.


إن أخطر ما يمكن أن يصل إليه مجتمع هو أن يصبح الأذى عاديًا.

حين لا يتوقف الناس عند التنمر، ولا يندهشون من العنف اللفظي، ولا يغضبون لانتهاك الخصوصية، ولا يتحركون أمام الظلم الصغير، فهم في الحقيقة لا يتسامحون… بل يؤسسون لمرحلة أخطر. فالتطبيع مع الخطأ لا يقل خطرًا عن ارتكابه.


الوعي هنا ليس ثقافة نظرية، بل إحساس حي بالحدود. أن تدرك أن للآخر مساحة لا يجوز اقتحامها، وصورة لا يجوز نشرها، ومعتقدًا لا يجوز السخرية منه، وضعفًا لا يجوز استغلاله، وصمتًا لا يعني الرضا. فحماية الفرد تبدأ حين يفهم كل إنسان أن حريته تقف عند أمان غيره.


والمجتمع الواعي لا يُعرّف الإنسان بقدرته على الدفاع عن نفسه، بل بقدرته على عدم إيذاء الآخرين. لأن الإنسان حين يطمئن أنه لن يُهان، ولن يُبتز، ولن يُستغل، يصبح أكثر إنتاجًا وأقل عدوانًا وأكثر انتماءً. أما حين يعيش في حالة توقع دائم للأذى فإنه يتحول إلى كائن دفاعي، يتوجس، وينغلق، ويشك، ثم يفقد تدريجيًا شعوره بالانتماء.


لا يمكن بناء وطن مستقر بأفراد يشعرون أنهم في حالة حذر مستمر.

ولا يمكن أن يبدع إنسان يخشى المجتمع أكثر مما يخشى الفشل.


ولهذا فإن حماية الفرد ليست ملفًا أمنيًا، بل مشروع حضاري. تبدأ من الأسرة حين تعلم أبناءها احترام الاختلاف قبل طلب الطاعة، وتستمر في المدرسة حين تربي على التعاطف قبل التفوق، وتترسخ في الإعلام حين يقدم القدوة بدل الإثارة، وتكتمل حين يصبح المجتمع نفسه رقيبًا أخلاقيًا لا يحتاج إلى سلطة دائمة فوق رأسه.


فالقانون يحضر عند وقوع الخطأ، أما الوعي فيحضر قبله.


وكلما ارتفع وعي الناس، قلَّ احتياجهم للعقوبة، لأن الإنسان حين يفهم أثر سلوكه لا يحتاج من يراقبه، بل يراقب نفسه. وهنا تتحول الحماية من إجراء خارجي إلى قيمة داخلية، ومن خوف من العقاب إلى احترام للإنسان.


إن المجتمع الحقيقي ليس الذي يمنع الناس من الاعتداء خوفًا، بل الذي يجعلهم يستحيل عليهم الاعتداء قناعةً.

وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة يصبح كل فرد فيه حارسًا للآخر، دون اتفاق مسبق، ودون شعارات، ودون أوامر.


فالوعي في النهاية ليس معرفة معلومات… بل معرفة حدود.

وليس ثقافة تُقال… بل إنسان يُصان.


وعندما يحمي الإنسان غيره بدافع داخلي، يكون قد حمى نفسه دون أن يدري، لأن الأمان لا يتجزأ؛ إما أن يسع الجميع… أو لا يوجد أصلًا.

تعليقات