لا يفلّ الحديد إلا الحديد
العلاقة العلاجية….
كطريق لجبر ما كسرته العلاقات المؤذية
بقلم . د . أميرة الشريف
دكتوراه الفلسفة في الآداب – قسم علم النفس، جامعة الإسكندرية.
مقدمة
قد يبدو الحديث عن العلاج النفسي — بوصفه علاقة إنسانية — مثيرًا للشك لدى كثيرين، خصوصًا من يعانون من صدمات نفسية أو صدمات مركّبة (C-PTSD).
فكيف يمكن لعلاقة جديدة أن تكون جزءًا من الحل، بينما كانت العلاقات أصل الجرح؟
و اعدك يا صديقي ان مقالي هذا لا يروّج للعلاج النفسي ، ولا يقلّل من المخاوف تجاهه، بل يحاول تقديم فهم أعمق لطبيعة العلاقة العلاجية، ودورها الممكن في جبر ما كسرته العلاقات المؤذية، دون إنكار للألم أو استعجال للتعافي (فالفهم كالماء الذي يطفي حده نار المخاوف ).
⸻
لماذا نتمسّك بالألم نفسيًا؟
أحيانًا نتمسّك بالألم وبمصدره المسبِّب له، ليس لأننا نحب المعاناة، بل لأن الألم يصبح الدليل الحيّ على ما حدث، والشاهد الوحيد على تجربة لم يتم الاعتراف بها أو احتواؤها في وقتها.
وفي هذه الحالات، لا يكون الألم هو المشكلة في ذاته، بل وظيفته كحارس للذاكرة ومنعٍ للإنكار
و الحقيقه ان التمسّك بالألم بعد الأذى العاطفي لا يكون حبًا في المعاناة، بل محاولة للحفاظ على الحقيقة.
في التجارب التي شابها إنكار أو تلاعب، يصبح الألم هو الدليل المتاح على أن ما حدث كان حقيقيًا.
و الجمله التى اريدك ان تسمعها منى هى ان :الألم ليس الدليل الوحيد على ما حدث ولكن :هو كان الدليل المتاح وقتها فوُجد كشاهد آمن بديل
و من منظور الصدمة، لا يُخزَّن الألم كذكرى عقلية فقط، بل كتجربة حية في الجسد والجهاز العصبي، تؤدي وظيفة وقائية تحافظ على التماسك وتمنع الاقتراب غير الآمن.
وفي الصدمات المركّبة، يتعزّز هذا النمط، فيتحول الألم إلى وسيلة تنظيم مؤقتة، لا عائقًا متعمّدًا أمام الشفاء.(كل ده بشكل غير مقصود او واعى )
فتجد الناس الغير متوافقين هنا ينقسمون الى نوع من الثلاثه :
١-اما يغرقون انفسهم في علاقات اخرى موازيه و يتوحدون بها (تعويض مفرط و ارضاء زائد للاخرين )
٢-اويعيشون محاربين لكل من حولهم دون خطر حقيقي . (نوع هجومي كله قبل ما يأكلك)
٣-يتجنبون العلاقات جمله و تفصيلا و هذا هو النوع الذي نتحدث عنه هنا .
⸻
كيف تختلف العلاقة العلاجية عن العلاقات المؤذية؟
العلاقة العلاجية تعتبر علاقة مهنية محدودة بإطار واضح وحدود صريحة.لا يُطلَب فيها الإرضاء أو التبرير، ولا يُعاد إنتاج فقدان السيطرة أو إنكار المشاعر ، حيث يُقابل الألم بالتصديق، والاحتياجات بالاحتواء، والاختلاف بالأمان.
فهي مساحة يُختبر فيها القرب دون تهديد، والحدود دون عقاب، بما يسمح بتجربة نمط مختلف عن السابق.
ااه و سمعاك يالى بتقول وده يفرق ايه عن فضفضه الاخوات و قعده قهوه مع صديق او صديقه …
(بالطبع تفرق كتير مع انها لا تمحو اهميتها )
الفضفضة مع صديق تُخفّف الحمل…
أما الحديث في العلاج النفسي فيُنظّم الحمل ويُعيد توزيعه.
فالفضفضة مساحة إنسانية تقوم على القرب والمواساة ومراعاة مشاعر الطرفين (الطرفين ها) .
أما العلاج النفسي فمساحة مهنية لا يُطلَب فيها تلطيف الألم أو حماية العلاقة، بل الصدق مع التجربة داخل إطار يتحمّل الحقيقة دون إنكار أو إيذاء.
وكون ان المعالج ليس صديقًا ولا طرفًا اجتماعيًا، بل شخص مُدرَّب على الإصغاء دون اندماج، والاحتواء دون إنقاذ، والمواجهة دون إيذاء فهو يرا بالتالي زوايا للامور لا يراها من يكون غارقا معك في المشكله و التى من بعدها تحتاج من العلاقات الصحيه التى تدعم هذا التغير و تقوي عمق مشاعرك و احتياجاتك .
لذا لكلٍّ منهما قيمته ودوره،لكن أحدهما يهوّن اللحظة،والآخر يغيّر المسار.
⸻
العلاقة العلاجية كخبرة تصحيحية…
في علاجات الصدمة وEFT، تُفهم العلاقة العلاجية كخبرة تصحيحية تُعاد فيها مواجهة المشاعر المؤلمة داخل سياق آمن.التغيير فيها لا يحدث فقط عبر الفهم، بل عبر نوعية الاستجابة العاطفية التي يتلقاها الفرد.(الواجبات الى بين الجلسات دي ليك مش للمعالج 😅)
على المستوى العصبي، يتعلّم الجهاز العصبي من العلاقات.حيث تلعب الخلايا المرآتية دورًا في التقاط نبرة الصوت، وإيقاع الكلام، وحالة التنظيم العاطفي لدى المعالج، مما يسمح بتشكّل مسارات عصبية جديدة تقلل من شدة الاستجابات الدفاعية القديمة. هكذا، لا يُقدَّم الأمان كفكرة، بل كخبرة متكررة، تسمح بدمج الذاكرة المؤلمة دون أن تبقى مهدِّدة.
⸻
ماذا عن الشك والتجنّب؟
التردّد تجاه العلاج النفسي، خاصة لدى المصابين بـ C-PTSD،او الى مرو لفتره طويله من سؤ معامله و تلاعب .. ليس فشلًا ولا مقاومة، بل تعبير عن جهاز عصبي تعلّم أن القرب قد يكون خطرًا.
(الشك هنا ليس عائقًا، بل معلومة علاجية).
العلاج لا يفترض الثقة المسبقة، ولا يطلب الانفتاح السريع،بل يسمح بأن تكون العلاقة نفسها موضع تساؤل، وأن يُحترم الإيقاع الشخصي والحدود الفردية.( و علشان كده كمعالج بمشي في العلاج بسرعه العميل و تقبله هو مش بشطارتي انا للعلاج 😌 Do it with the patient tempo )
⸻
و في الختام ..
العلاج النفسي لا يمحو الألم، بل يغيّر طريقة حمله.
وما يبقى بعده ليس العلاقة ذاتها، بل الأثر: مع قدرة أكبر على التمييز، وحدود أوضح، واستجابات أهدأ.
فالعلاقات لا تُجبر بالعزلة او الافراط و التسليم التام ،بل عبر علاقات أخرى سويّة، واعية ، ومحدودة،تشهد على ما حدث دون أن تحبسنا فيه.
وأحيانًا، يكون أول شكل من أشكال الشفاء
هو السماح لفكرة أن علاقة مختلفة… ان تكون ممكنة.(اسمح لنفسك بتجربه العلاج )





تعليقات
إرسال تعليق