جرعات توازن:
التوازن بين الأخذ والعطاء
قراءة نفسية وروحية في الاستنزاف الخفي
بقلم:
كوتش شيماء حامد
مرشد نفسي وأسري وتربوي،
كوتش علم نفس إيجابي،
مدرب معتمد من الاتحاد الدولي للمدربين العرب،
داعية إسلامية – وزارة الأوقاف.
يُعدّ العطاء من القيم الإنسانية الرفيعة،
غير أن المبالغة فيه دون وعي قد تتحول من فضيلة إلى مصدر استنزاف نفسي خفي.
كثير من الأفراد يعطون بلا حدود،
ثم يتساءلون في صمت:
لماذا نشعر بالإرهاق رغم نبل النية؟
التوازن بين الأخذ والعطاء لا يعني الأنانية،
كما لا يعني التقصير،
بل يعني إدارة واعية للطاقة النفسية.
أولًا: متى يتحول العطاء إلى استنزاف؟
من منظور علم النفس، يتحول العطاء إلى استنزاف عندما:
يُمارَس بدافع الخوف من الرفض
يُربط بقيمة الذات
يُقدَّم دون قدرة على الرفض
يُقابَل بالجحود المستمر دون مراجعة
في هذه الحالة، لا يعود العطاء نابعًا من الامتلاء،
بل من محاولة إثبات الذات أو كسب القبول.
ثانيًا: العطاء الصحي والعطاء التعويضي
يميز علم النفس بين نوعين من العطاء:
العطاء الصحي:
نابع من رغبة حرة
لا يُشعِر صاحبه بالمرارة
يسمح بالتوقف عند الحاجة
العطاء التعويضي:
نابع من نقص داخلي
يطلب المقابل ولو دون وعي
يستنزف المشاعر والطاقة
التوازن يتحقق حين يصبح العطاء اختيارًا،
لا التزامًا قهريًا.
ثالثًا: الأخذ ليس ضعفًا
من المفاهيم المغلوطة أن الأخذ يتعارض مع القوة أو النضج.
بينما في الحقيقة، القدرة على الأخذ تعكس:
وعيًا بالاحتياج
احترامًا للنفس
فهمًا لطبيعة العلاقات الإنسانية
العلاقات المتوازنة تقوم على التبادل،
لا على طرف يعطي باستمرار، وآخر يستقبل دون وعي.
رابعًا: المنظور الإيماني للتوازن
في المنهج الإسلامي، يظهر التوازن بوضوح في قوله ﷺ:
«إن لنفسك عليك حقًا»
وهذا يرسّخ مبدأًا مهمًا:
أن إهمال النفس ليس عبادة،
وأن استنزاف الذات لا يُعد قُربى.
الاحتساب لا يعني إلغاء الحدود،
والعطاء لا يعني إهمال النفس.
تمرين تطبيقي:
لإعادة ضبط التوازن، يمكن التوقف عند الأسئلة التالية:
متى أعطي وأنا غير قادر؟
ما الشعور الذي يصاحب عطائي غالبًا؟
ما الحد الذي أحتاج لوضعه دون شعور بالذنب؟
الإجابات الصادقة تعيد توجيه السلوك نحو التوازن.
خاتمة:
التوازن بين الأخذ والعطاء
ليس تغييرًا في الأخلاق،
بل نضج في الوعي.
فالعطاء الحقيقي
يبدأ من نفسٍ غير مُستنزَفة،
وقلبٍ يعرف متى يعطي… ومتى يتوقف.

تعليقات
إرسال تعليق