رحلة إلى الذات
بقلم . أ/ صباح ممدوح ابراهيم
اخصائية التربية والإرشاد النفسى و الأسري
والتطوير الذاتى، تهتم بدمج القيم والإيمان في التربية الايجابية والأسرية و الصحة النفسية.
حين يصبح الداخل بوصلتنا إلى التوازن
في زحام الحياة وتسارع إيقاعها، يعتاد الإنسان أن ينشغل بما حوله أكثر مما ينشغل بما داخله؛ يطارد الأهداف، ويلاحق الإنجازات، ويجتهد في تلبية متطلبات الواقع، لكنه كثيرًا ما يؤجل السؤال الأهم: من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟
رحلتنا الحقيقية لا تبدأ من الطرقات ولا من المدن، بل تبدأ من الداخل… من تلك المسافة الصامتة بين الإنسان ونفسه. هناك حيث تتكشف النوايا، وتُراجع المقاصد، ويُعاد ترتيب الأولويات.
إن معرفة سبب الوجود ليست قضية فلسفية مجردة، بل هي قضية نفسية وسلوكية يومية. فالإنسان حين يدرك أنه مخلوق لغاية، وأن حياته ليست صدفة، تتغير طريقة نظره للأحداث؛ تتحول التحديات إلى محطات تربية، ويتحول الألم إلى مساحة للنضج، ويتحوّل النجاح من غاية بذاته إلى وسيلة لعمارة الأرض وفق منهج الله.
التوازن الذي ينشده الإنسان بين ما يريده هو وما يأمره به الله ليس صراعًا بين رغبتين، بل هو رحلة تهذيب للرغبة ذاتها. فالإيمان لا يلغي الطموح، بل ينقيه. ولا يمنع السعي، بل يوجهه. حين تتربى النفس على القيم، تصبح أهدافها أعمق من مجرد مكاسب، وتصبح إنجازاتها مرتبطة بالمعنى لا بالمظهر.
جودة الحياة في المنظور الإيماني لا تُقاس بوفرة الأشياء، بل بطمأنينة القلب. قد يملك الإنسان الكثير ويشعر بالفراغ، وقد يملك القليل ويشعر بالاكتفاء. السر لا يكمن في الخارج بقدر ما يكمن في العلاقة بين القلب وربه، وبين الإنسان وقيمه، وبين ما يعتقده وما يعيشه فعلاً.
السكينة النفسية ليست غياب المشكلات، بل هي القدرة على العبور خلالها دون أن نفقد سلامنا الداخلي. وهي ثمرة طبيعية لانسجام الإنسان مع فطرته، ومع منهج ربه، ومع رسالته في الحياة.
وحين تترسخ القيم ويقوى الإيمان، يبدأ الإنسان في نسج “ثوبه الداخلي”؛ ثوب من الصبر عند الشدة، ومن الشكر عند النعمة، ومن الرضا عند الغموض، ومن السعي عند القدرة. عندها لا يعود يعيش بردّات الفعل، بل يعيش وفق نهج واضح، وبوصلة مستقرة.
إن رحلة الذات ليست رفاهًا تربويًا، بل ضرورة وجودية. فمن لم يعرف نفسه، سيتوه في طرق الآخرين. ومن لم يحدد غايته، ستسرقه الوسائل. أما من سار إلى الله بقلب صادق، فسيجد في طريقه توازن الدنيا، وسكينة الروح، ورجاء الآخرة.
هي دعوة هادئة لكل واحد منا:
أن نتوقف قليلًا…
أن نصغي لأنفسنا…
أن نصحح النية…
وأن نبدأ الرحلة الحقيقية، من الداخل إلى الأعلى.

تعليقات
إرسال تعليق