سيكولوجية الإدمان: حين يتحوّل الهروب إلى سجن
بقلم:
الأخصائي النفسي / أنس عادل محمد
يخطئ كثيرون حين يختزلون ظاهرة الإدمان في أطر أخلاقية أو سلوكية ضيقة، كضعف الإرادة أو الفضول أو الانقياد خلف رفقة السوء. فالحقيقة العلمية والنفسية تشير إلى أن هذه العوامل لا تمثل سوى القشرة الخارجية للمشكلة، بينما يكمن جوهرها في بنية نفسية هشّة تحاول حماية نفسها بطريقة خاطئة.
إن المحرّك الحقيقي خلف الإدمان، سواء كان كيميائياً كالمخدرات أو سلوكياً كالإباحية والمقامرة، ليس البحث عن اللذة بقدر ما هو الهروب الجذري من مواجهة المشاعر.
جذور الهروب: لماذا نخشى مشاعرنا؟
يبدأ الإدمان حين يواجه الإنسان أحاسيس داخلية لا يمتلك الأدوات النفسية الكافية لمعالجتها أو احتوائها. وهذه المشاعر ليست حزناً عابراً، بل ضغوطاً وجودية عميقة؛ مثل شعور الدونية وفقدان الاستحقاق، الذي يولّد ألماً دائماً يُعرف بـ"ألم الذات".
كما يظهر الخزي الناتج عن الصدمات القديمة غير المعالجة، فتظل حبيسة في الداخل، وتعود لتؤلم صاحبها كلما تم استدعاؤها. ويأتي الفراغ النفسي كأحد أكثر المخاوف رعباً، إذ لا يحتمل كثيرون البقاء في صمت مع أفكارهم، لأن هذا الصمت يواجههم بحقيقتهم التي يحاولون تجاهلها.
الإدمان كوظيفة تخديرية (البنج النفسي)
من المنظور السيكولوجي، يؤدي الإدمان وظيفة دفاعية. فعندما يصبح الألم النفسي أكبر من قدرة الإنسان على الاحتمال، يبحث العقل عن مخرج طوارئ. وهنا يعمل السلوك الإدماني كزرّ صامت يُطبق على صراخ الداخل.
فالمدمن في جوهره لا يبحث عن النشوة، بل عن اللاشعور. إنه يريد أن يتوقف عن الإحساس بالواقع، وأن يغيب عن وعيه الذي يذكّره بآلامه وضغوطه. ومع تكرار هذا الهروب، يعيد الدماغ برمجة نفسه، فيصبح المخدر هو الوسيلة الوحيدة للشعور بالأمان، فتتكوّن الاعتمادية النفسية التي تفوق في صعوبتها الاعتمادية الجسدية.
وهم النسيان وخديعة الوسط المحيط
يظهر هنا دور ما يُسمّى بـ"صاحب السوء"، وهو في الحقيقة ليس المحرّك الأصلي للإدمان، بل الميسّر له. فالرسالة التي تُروَّج في دوائر الإدمان هي: "اشرب لكي تنسى"، وهي أكبر خديعة نفسية.
فالمشاعر التي يتم تخديرها لا تختفي، بل تُخزَّن في العقل الباطن وتتحول إلى طاقة سلبية مكبوتة. وما إن يزول أثر المادة المخدرة، حتى تعود هذه المشاعر إلى السطح بحدة مضاعفة، مصحوبةً بشعور جديد بالذنب والعار. وهنا يبدأ ضغط نفسي جديد، فيهرب منه الشخص بجرعة أكبر، لتستمر الدائرة المفرغة التي تبتلعه تدريجياً.
فشل آليات الدفاع والانتكاس
الإدمان هو آلية دفاع فاشلة؛ محاولة لعلاج الروح بوسيلة تقتل الجسد. وهذا يفسّر فشل كثير من برامج العلاج التقليدية التي تركز فقط على سحب السموم. فإزالة المادة من الجسد تترك الإنسان عارياً أمام مشاعره القديمة التي لم يتصالح معها، وبما أنه لا يمتلك مهارات المواجهة، فإنه يعود إلى الإدمان عند أول ضغط نفسي.
فالانتكاس ليس ضعف إرادة، بل عجز عن تحمّل الألم النفسي دون مخدّر.
الخلاصة: التعافي هو شجاعة المواجهة
التعافي الحقيقي لا يتحقق بمجرد الامتناع، بل يبدأ حين يقرر الإنسان التوقف عن الهرب.
التعافي هو رحلة بناء جهاز مناعي نفسي، يمنح صاحبه القدرة على تقبّل الحزن، والتعامل مع القلق، ومواجهة جروح الماضي دون خوف.
هو استبدال سجن الهروب بـ حرية المواجهة، حيث يتعلّم الإنسان أن الألم – مهما كان قاسياً – جزء من الطبيعة البشرية التي يجب فهمها واحتواؤها، لا طمسها وتخديرها.
بقلم:
الأخصائي النفسي / أنس عادل محمد

تعليقات
إرسال تعليق