أنتِ مرآة نفسك
بقلم: د. شيرين نور الدين
أخصائي نفسي وتعديل سلوك
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾
صدق الله العظيم
هذه الآية ليست مجرد وعدٍ بالتغيير،
بل إعلانٌ واضح عن المسؤولية.
فالتغيير لا يبدأ من الخارج،
بل من الداخل… من النفس.
كثيرًا ما يبحث الإنسان عن الخلاص في الظروف،
في الأشخاص،
في الحظ أو الصدفة،
وينسى أن أعقد المعارك وأصدقها
تدور داخله.
ما الذي يحرّك السلوك فعلًا؟
في عمق كل إنسان معتقد جوهري،
فكرة عميقة صامتة،
لا تُرى لكنها تُوجّه كل شيء.
المعتقد الجوهري هو ما يؤمن به الإنسان عن نفسه،
وعن الآخرين،
وعن الحياة.
هو العدسة التي يرى بها العالم،
ويفسر من خلالها المواقف،
ويتخذ بناءً عليها قراراته وتصرفاته.
هذه المعتقدات لا تتكوّن فجأة،
بل تنشأ منذ الطفولة المبكرة،
من تجربة،
من كلمة،
من موقف متكرر،
أو من احتياج لم يُشبَع.
لماذا يصعب تغييره؟
لأن المعتقد الجوهري لا يعيش في العقل الواعي فقط،
بل يتغلغل في المشاعر والسلوك.
يكوّن مع الوقت مخططات نفسية
تجعل الإنسان يتصرف بطريقة تلقائية،
حتى وإن كانت مؤلمة أو غير مناسبة.
ولهذا قد يكرر الشخص نفس العلاقات،
ونفس الاختيارات،
ونفس الأخطاء،
وهو يظن أن السبب خارجي،
بينما الجذر في الداخل.
هل التغيير ممكن؟
نعم.
لكن التغيير الحقيقي لا يحدث بالإنكار،
ولا بتجاهل الألم،
ولا بتمنّي واقع مختلف.
يبدأ التغيير حين يراقب الإنسان نفسه بوعي،
وحين يسأل:
لماذا شعرت بهذا الشكل؟
ما الفكرة التي تحكم هذا التصرف؟
أي معتقد قديم يتحرك الآن؟
حين يتم التعرف على المعتقد الجوهري
وتسميته بوضوح،
يبدأ فقدان سيطرته.
ثم تبدأ المرحلة الأصعب:
السعي للتغيير رغم صعوبته.
محاولة بناء استجابات جديدة،
وتبني أفكار أكثر اتزانًا،
حتى مع وجود الخوف أو المقاومة.
التغيير ليس خطوة واحدة،
بل رحلة وعي متدرجة،
قد تتخللها عثرات،
لكن كل وعي جديد
هو اقتراب حقيقي من الذات.
أنتِ مرآة نفسك
ما يراه الإنسان في حياته
غالبًا انعكاس لما بداخله.
وحين تتغير النظرة الداخلية،
يتغير التعامل مع العالم.
فالتغيير لا يبدأ عندما يتغير الآخرون،
ولا عندما تتحسن الظروف،
بل عندما يقرر الإنسان
أن يواجه نفسه بصدق،
ويبدأ رحلة التغيير من الداخل.
دمتم بصحة نفسية جيدة
تحياتي
د. شيرين نور الدين
أخصائي نفسي وتعديل سلوك

تعليقات
إرسال تعليق