هل نربي ابناءنا أم نكسرهم
بقلم . د/ نيرمين محمد
اخصائي ارشاد نفسي وأسري
إن تربية أولادنا هي حجر الأساس الذي يُبني عليه المجتمع كله.
ومع الازدياد الرهيب في العنف داخل المجتمع أصبح من الضروري أن ندق باب من أهم الأبواب التي تؤدي الي تضخم وازدياد هذا العنف، باب... كيف نربي أبناءنا، لأنه يضعنا أمام مواجهة صريحة مع أنفسنا: هل لأسلوب الذي نتبعه في هذه التربية نابع من الحب والحرص، أم من الرغبة في السيطرة وتفريغ الضغوط؟
فبينما يتأرجح الكثير من الآباء والأمهات بين الشدة تارة و التوجيه واللوم الدائمين تارة وبين اللين تارة أخرى، قد يكونون في الحقيقة وبشكل غير واعٍ، يهدمون البناء النفسي لأطفالهم.
فالتربية ليست عملية "نحت" لتمثال صامت، بل هي عملية رعاية لنفس بشرية، كائن كامل يحتاج للفهم والمشاعر كما يحتاج للوم والتقريع.
فهل نحن حقاً نربي هؤلاء الصغار ليصبحوا نسخاً سوية عندما يكبروا، أم أننا نكسر فيهم روح المبادرة والثقة لنحصل على " النسخة التي في مخلتنا" لكي تريحنا اليوم فتخذلهم غداً.
الحقيقة أن هناك خيط رفيع بين الحزم والقسوة؛ ففي حين يصنع الحزم الحدود الفاصلة - والتي يحتاجه الانسان - لتكوين شخصيته، تحول القسوة هذه الحدود الي قيود تخنق شخصية الطفل في مهدها، فهناك فجوة واسعة بين تقويم السلوك وبين الاهانة، وحين يتحول التقويم الي اهانة يتحول الطفل من كائن قابل للتعديل من خلال الحب الي كائن يبحث عن الانتقام فيمن حوله بشتي الصور، والتي تبدأ بالعند في الصغر لتتحول مع الايام لوحش داخل الصغير يكبر فيحوله لشخص عدواني يبحث عن الأذي لمن حوله، فهو لم يعرف غير القسوة والاهانة ليتعامل بها مع من حوله، فكيف نطالبه بغيرها!
وتعبير القسوة هنا لا يستلزم الضرب، فالمقارنات الدائمة قسوة، صورة الابن المثالي قسوة، الصراخ الدائم قسوة، الحب المشروط قسوة.
وحين يُربي الطفل علي القسوة لن ننتظر منه غيرها بمختلف صورها عندما يكبر.
وهنا نحن نقدم لأنفسنا وللمجتمع صور مشوهة ناتجة عن تربية خاطئة، ولا يعفي حسن النوايا من سوء العاقبة.
والطفل الذي يطيع - اليوم - خوفاً، يفقد بوصلته الأخلاقية - غداً - فمجرد غياب الرقيب تنتهي الطاعة المزيفة وتبدأ القسوة التي تكونت منها الشخصية تظهر بصور مختلفة ليظهر الطفل الذي كبر بصورته المشوهة.
فالتربية الحقيقية هي بناء "رقابة ذاتية" تنبع من تقدير الذات وفهم القيم الدينية والمجتمعية، ولا يحدث هذا ابداً بالقسوة، لذلك نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالضرب علي الصلاة إلا في سن العاشرة، حينها تكون قد تكونت الشخصية بالتقويم السليم للسلوك فتتقبل العقاب - البسيط والمناسب - للخطأ.
لذلك فنحن نحتاج أن نربي أنفسنا أولاً لنستطيع احتواء هؤلاء الصغار وتربيتهم دون كسرهم.
فحين فقدنا نحن بوصلة هويتنا فقدنا هؤلاء الصغار، وقدمنا مجتمع سقط في هاوية عنف إذا استمرت قد تدمر المجتمع كله.

تعليقات
إرسال تعليق