القائمة الرئيسية

الصفحات

شريط الاخبار

من ماذا نخاف؟ بقلم: صباح ممدوح - مجلة وعي جديد .

من ماذا نخاف؟  بقلم: صباح ممدوح - مجلة وعي جديد .

 من ماذا نخاف؟

بقلم: صباح ممدوح

ارشاد نفسى واسرى وتربوى 

مدرب جودة حياة 

وتطوير ذات.

في لحظات السكون، حين يهدأ الضجيج الخارجي، يظهر صوت خافت في الداخل… صوت يحمل سؤالًا بسيطًا وعميقًا:

من ماذا نخاف حقًا؟

هل نخاف من العالم… أم من أنفسنا؟

الخوف ليس عدوًا كما نتصور دائمًا، بل هو رسالة.

لغة قديمة في داخلنا، كُتبت منذ أن بدأ الإنسان يواجه الحياة. في علم النفس، يُنظر إلى الخوف كآلية بقاء؛ جهاز إنذار دقيق، يُنبهنا إلى خطر محتمل. حين يزداد نبض القلب، وتتسارع الأنفاس، فالجسد لا يبالغ… بل يحاول حمايتنا.

لكن المشكلة لا تكمن في وجود الخوف، بل في امتداده إلى ما ليس خطرًا.

نخاف من الرفض، من الفشل، من فقدان الحب، من نظرة الآخرين… بل أحيانًا نخاف من أنفسنا حين نكون على وشك التغيير.


في الطب، الخوف المزمن ليس مجرد شعور، بل حالة تؤثر على الجسد كله.

يرتفع هرمون الكورتيزول، يضعف الجهاز المناعي، يضطرب النوم، ويصبح العقل في حالة تأهب مستمرة. كأن الإنسان يعيش معركة لا تنتهي… حتى وإن لم يكن هناك عدو حقيقي.

أما في الدين، فالصورة أكثر اتزانًا وطمأنينة.

الخوف ليس مرفوضًا، لكنه موجّه.

الخوف الحقيقي الذي يُهذّب الإنسان هو الخوف الذي يقوده إلى الأمان، لا الذي يسلبه إياه.

الخوف الذي يجعل القلب يقظًا، لا مرتعشًا.

هناك فرق عميق بين:

خوف يُقيدك…

وخوف يُعيدك إلى الله

الأول يُغلق أبوابك، والثاني يفتحها.

حين نتأمل، نجد أن كثيرًا من مخاوفنا ليست مما يحدث… بل مما قد يحدث.

نحن لا نخاف الواقع بقدر ما نخاف الاحتمالات.

نخاف فكرة الألم، أكثر من الألم نفسه.

الطفل يخاف الظلام، لا لأنه خطر، بل لأنه مجهول.

والإنسان حين يكبر… يظل يخاف المجهول، لكن بأسماء أكثر تعقيدًا: المستقبل، العلاقات، الفقد، التغيير.

وهنا تأتي الحكمة:

ما نجهله، نُضخّمه.

في العلاج النفسي، أول خطوة للتعامل مع الخوف هي:

أن نُسميه.

أن ننظر إليه بوضوح، لا أن نهرب منه.

اسأل نفسك بهدوء:

ماذا أخاف تحديدًا؟

ليس بشكل عام… بل بدقة.

هل أخاف أن أُرفض؟

أم أن أُترك؟

أم أن لا أكون كافيًا؟

غالبًا، وراء كل خوف ظاهر… جرح قديم لم يُفهم بعد.

والشفاء لا يأتي بمحاربة الخوف، بل بفهمه واحتوائه.

في لحظة صدق مع النفس، قد نكتشف أن:

نصف مخاوفنا أوهام،

والنصف الآخر يمكن احتماله.

وهنا يلتقي العلم مع الإيمان:

العلم يقول: افهم ما يحدث داخلك.

والإيمان يقول: لست وحدك فيما يحدث.

فإذا اجتمعا… هدأ القلب.

ليس الهدف أن نعيش بلا خوف، فهذا ضد الفطرة،

بل أن نعيش بخوف متزن…

خوف يُنبهنا دون أن يُعطلنا،

يدفعنا دون أن يُرهقنا،

ويقودنا في النهاية إلى مساحة أعمق من الأمان.

الأمان الحقيقي لا يأتي من غياب المخاطر…

بل من حضور الطمأنينة في القلب .

والمضى قدمآ وهو ما يسمى السعى .

وحين يصل الإنسان إلى هذه المساحة، يدرك أن،

أعظم ما كان يخشاه…

لم يكن يستحق كل هذا الخوف.

تعليقات