قالت لي جدتي .. أن نسكب كل العسل خير من العقوبة
بقلم: الدكتور زكريا الخنجي
قالت لنا جدتي في ليلة شتوية ونحن أطفال العائلة مجتمعون حول المدفأة النارية العتيقة، قال:
يروى عن أحد الأثرياء الورعين في الزمن الغابر، أنه كان يمتلك ثروة عظيمة من العسل، وكان له منها ما يقارب (600) برميل من العسل، فلم يكن مليونيرًا فحسب، بل مليارديرًا بمقياس أيامنا هذه.
وفي يوم من الأيام وجد العمال فأرًا في أحد براميل العسل.
ذهب الثري يبحث عن الحكم الشرعي في هذه الحالة، فوجد أن الحكم الشرعي يقول إنه إذا وقع الفأر في الشيء المائع [أي السائل كالزيت والعسل واللبن مثلاً] تطرح الفأرة ويرمى ذلك السائل. وأما إن وقعت الفأرة في الشيء الجامد الصلب (كالسمن مثلاً) فترمى الفأرة وما حولها، ثم تنتفع بالباقي.
فلما كانت الفأرة قد وقعت في برميل من براميل العسل، فقد قام العمال باستخراج الفأرة من البرميل وطرحوها، ثم ذهب العامل إلى الرجل الثري ليخبره عن الحادث، ثم لحكمة بالغة نسى في أي البراميل كانت تلك الفأرة. ولكن من ورع هذا الرجل أمر أن ترمى ببراميل العسل كلها، وكان هذا القرار بمثابة مصيبة عظيمة إذ كانت تعني إفلاس هذا الرجل بعدما كان من أغنياء الدنيا، إلا أن ورعه هو الذي منعه أن يلقى الله بشبهة.
فقال له أحد العاملين: إنها لخسارة عظيمة يا سيدي.
فقال الرجل: والله، هذا ذنب أنتظر عقوبته منذ أربعين سنة.
فتعجب العامل فقال: ذنب ؟ وما ذلك الذنب ؟
فقال الرجل: لقد عيّرت رجلاً منذ أربعين سنة وقلت له: "يا فقير".
ثم أنهت جدتي حكايتها أنها قالت: لذلك يا ابنائي لا تسخروا من أحد مهما كانت حالته.
وتنتهي الحكاية عند هذا الحد،
ولكن الموضوع لم ينته عند هذا الحد ولن ينتهي بالسهولة، فالله سبحانه لا يترك عقوبة كتلك أن تمر من غير أن تنفد، فالله يمهل ولا يهمل.
سبحان الله العظيم، هذا الرجل الورع الثري كان ينتظر عقوبة ذنب فعله منذ أربعين سنة، فكان العقاب أن خسر ماله وثراءه كله في لحظة واحدة، وماذا كان الذنب، فقط أنه قال للرجل (يا فقير).
فما بالكم بمن يتقلب في الذنوب والمعاصي ليلاً ونهار ؟
فما بالنا بمسؤول إداري أستلم إدارة من الإدارات فقال للموظفين: أنا ربكم الأعلى، عليكم أن تسمعوا كلامي من غير أي مراجعة. فحينما يراجعه أحد من الموظفين في قضية من القضايا يصرخ عليه ويؤنبه، وربما يقوم بتجاهله وتهميشه، ويركنه في ظلمات مكتبه من غير أي عمل أو حتى كلمة ؟ أليس هذا ظلم ؟ يا ترى ماذا سيكون العقاب؟
تاجر خلط بضاعة قديمة ببضاعة جديدة وباعها على أنها بضاعة جديدة، من أجل الربح المادي البحت، ومن غير أي اعتبار أخلاقي أو قيمي. وتاجر آخر يبيع الأجهزة العاطلة عن العمل على اعتبار أنها جديدة، فعندما يقوم المستهلك باستخدامها في المنزل ويكتشف أنها غير سليمة يرفض التاجر إعادتها على اعتبار أن المستهلك هو من قام بتخريبها. وشركة ثالثة تبيع أو تتعامل مع الأجهزة (كالتلفون أو غيره) فتأتي أنت كمستهلك فتشتري منه عبر قرض لعدة أشهر، فتقدم وثيقة القرض للمستهلك وإذ هي تزيد عن 20 صفحة، فلا يقرأها المستهلك كلها لأنه مستعجل، والغريب أن في تلك الوثيقة شرط جزائي وهو أنه إذا حدث (كذا وكذا) فإن على المستهلك تقع العقوبة، ثم بعد أن يقع الفأس في الرأس يجد المستهلك نفسه أمام عقوبة لا شاة له فيها ولا جمل، وأمور كثيرة تتحول إلى عائق أمام المستهلك فلا حول ولا قوة إلا بالله، ماذا يمكن أن تكون عقوبة كل هؤلاء ؟
معلم؛ دخل الغرفة الدراسية ليس من أجل النزاهة والتعليم والابتكار، وتنمية جيل من الأطفال تنمية مبنية على الأخلاق والمبادئ والقيم، وإنما فقط من أجل الراتب، فلم يحسن عمله ولم يتقن علمه، فماذا يمكن أن تكون عقوبته؟
مقاول؛ يُطلب منه بناء بيت أو أي منشأة أو أي شيء، ويأخذ من الأموال الشيء الكثير نظير المواد الخام والعمال وما إلى ذلك، ويُكتب العقد، ولكنه لا يلتزم بالعقد لا في شراء النوعية الجيدة من المواد الخام، ولا يقوم بالعمل حسب ما هو مطلوب، فينتهي كل شيء بسبب هذا الغش وتلك اللا مبالاة، ماذا ستكون عقوبة هذا ؟
شاب يغوي امرأة، أم امرأة تحاول غواية شاب متزوج، لأنه أو لأنها تريده بأي طريقة كانت، حتى في خارج حدود النطاق الزوجية، لمتعة ساعة أو ساعات، وليس مهمًا أن تهدم بيته أو يهدم بيتها وتطرد من البيت هي وأولادها، ترى ماذا ستكون العقوبة ؟
وأمور كثيرة يصعب ذكرها كلها.
إلا أنه يجب الملاحظة أن الرجل الثري عير رجل بكلمة، تصور بسبب كلمة، عوقب بعد حوالي 40 سنة، فخسر كل ماله، فما بالنا ونحن أمام أفعال يظلم فيها الإنسان ويقصم ظهره، يا ترى ماذا ستكون عقوبته أن فعل ؟
ربما تكون أنت يا إنسان قد نسيت ما فعلت، ولكنها في لحظة تعود وتحاسب عليها في الدنيا قبل الآخرة فالله قادر يُعطي ويُدهش، وقادر كذلك أن يأخذ فيُدهش، فلا تغتر بنفسك وبفعلك، فكلها لحظات فتتغير عجلة الحياة.

تعليقات
إرسال تعليق