القائمة الرئيسية

الصفحات

شريط الاخبار

المدمن مريض وليس فاسدًا أخلاقيًا بقلم: الأخصائي أنس عادل محمد – أخصائي نفسي

المدمن مريض وليس فاسدًا أخلاقيًا  بقلم: الأخصائي أنس عادل محمد – أخصائي نفسي

 


المدمن مريض وليس فاسدًا أخلاقيًا

بقلم: الأخصائي أنس عادل محمد – أخصائي نفسي


حين ننظر إلى الإدمان من الخارج، قد نرى شخصًا «يختار» تدمير حياته بمحض إرادته، فنُسارِع إلى وصمه بفساد الأخلاق. لكن إذا تعمّقنا داخل المختبر النفسي لعقل المدمن، سنكتشف رواية مختلفة تمامًا.


تبدأ القصة بما يُعرف بـ نظام المكافأة في الدماغ، وهو المسؤول عن شعور الإنسان بالمتعة والرضا عند الإنجاز أو تلبية الاحتياجات الأساسية. تقوم المواد المخدِّرة بما يشبه «السطو» على هذا النظام؛ إذ تضخ كميات هائلة من المواد الكيميائية العصبية، وعلى رأسها الدوبامين، بمستويات غير طبيعية لا يختبرها الدماغ في الظروف العادية. ومع تكرار التعاطي، يعيد الدماغ ضبط توصيلاته العصبية، فيتعامل مع المادة المخدِّرة باعتبارها عنصرًا أساسيًا للبقاء، كالماء والهواء.


هنا لا يصبح المدمن سيئ الخلق، بل يصبح «مختطفًا كيميائيًا»، إذ تتعطل لديه آليات التحكم الإرادي نتيجة خلل وظيفي واضح في كيمياء الدماغ، فتضعف قدرته على مقاومة الرغبة القهرية في التعاطي.


وفي علم النفس يبرز مفهوم التداوي الذاتي، الذي يوضح أن كثيرًا ممن وقعوا في الإدمان لم يقصدوا الانحراف السلوكي، بل حاولوا الهروب من آلام نفسية عميقة لم يجدوا لها علاجًا؛ مثل صدمات قديمة، أو شعور قاسٍ بالوحدة، أو قلق مزمن لا يهدأ. في هذه الحالة يصبح المخدر «مسكنًا للروح» قبل أن يكون «مغيِّبًا للعقل».


المدمن هنا إنسان يعاني من فراغ نفسي أو جرح داخلي يحاول ملأه بأي وسيلة تمنحه راحة مؤقتة. وعندما يصفه المجتمع بالفاسد، فإنه يوسّع هذا الجرح؛ لأن الوصمة الاجتماعية تولِّد شعورًا بما يسمى «العار السام»، وهو أحد أقوى الدوافع للعودة إلى التعاطي هربًا من نظرات الرفض والنبذ، لتستمر دائرة الإدمان المغلقة. هذه الدائرة لا يكسرها اللوم، بل يكسرها العلاج المتخصص والدعم الإنساني.


إن الأخلاق في جوهرها تحتاج إلى عقل حر قادر على الاختيار بين البدائل، بينما يظل عقل المدمن أسيرًا لعملية بيولوجية قهرية تدفعه نحو هدف واحد هو الحصول على الجرعة. لذلك يصنِّف العلم الحديث الإدمان كاضطراب سلوكي مزمن، يشبه في طبيعته الأمراض العضوية مثل السكري أو ضغط الدم، ويحتاج إلى خطة علاج وإعادة تأهيل لإعادة بناء التوازن النفسي والسلوكي.


إن الأحكام الأخلاقية القاسية تبني جدارًا عازلًا بيننا وبين المريض، بينما الفهم النفسي والعلمي يبني جسرًا يساعده على استعادة إرادته. فالمدمن إنسان تائه وسط تفاعلات كيميائية وصراعات نفسية معقدة، يحتاج إلى يدٍ تمتد لإنقاذه، لا إلى إصبع اتهام يُدينُه؛ لأن استعادة الإنسان أهم بكثير من إصدار الحكم عليه.

تعليقات