القائمة الرئيسية

الصفحات

شريط الاخبار

حين أعدتُ إشعال فانوس جدتي… عاد رمضان إلى قلوبنا بقلم: الكاتبة / هبة عبد اللطيف محمد مرشدة أسرية بمركز الفضيلة للاستشارات النفسية ومهارات تعديل السلوك

حين أعدتُ إشعال فانوس جدتي… عاد رمضان إلى قلوبنا  بقلم: الكاتبة / هبة عبد اللطيف محمد  مرشدة أسرية بمركز الفضيلة للاستشارات النفسية ومهارات تعديل السلوك


 حين أعدتُ إشعال فانوس جدتي… عاد رمضان إلى قلوبنا

بقلم: الكاتبة / هبة عبد اللطيف محمد

مرشدة أسرية بمركز الفضيلة للاستشارات النفسية ومهارات تعديل السلوك 

"الفرحة لا تُقاس بما ننفقه، بل بما نحييه في قلوبنا"

"أجننتِ يا ليلى؟!"

بهذه العبارة، ألقى أحمد قائمة المشتريات بعيدًا.

ورقة طويلة مليئة بالطلبات: ياميش، زينة، مستلزمات ركن رمضاني… وأشياء رأيتها ضرورية لصناعة "البهجة".

لكنه لم يرَ فيها سوى أرقام تتضخم وضغوط تتزايد.

ساد الصمت، ذلك الصمت الذي لا يصرخ… لكنه يوجع.

كنت أظن أنني أحاول إدخال الفرح إلى بيتنا، بينما كان يشعر هو أنني أثقل كاهله.

كلانا كان يريد رمضان… لكن كلٌّ بطريقته.

الفانوس الذي غيّر كل شيء

أثناء ترتيب البيت، وجدت صندوق جدتي القديم.

فتحته… ففاحت منه رائحة زمن جميل.

وفي الداخل، كان يرقد فانوسها النحاسي العتيق.

غطاه الغبار، لكن روحه لم تنطفئ.

تذكرت بيت جدتي: لم يكن هناك ركن رمضاني ولا زينة باهظة.

كانت الإمكانيات بسيطة جدًا… لكن البهجة كانت تملأ المكان.

تذكرت "طبق الخير" الذي كان يدور بين البيوت، وعجين جدتي وهي تبتسم وتقول:

"اعجني بحب… يلين العجين."

وتلك اللمّة حول مائدة متواضعة… لكنها عامرة بالمودة.

في تلك اللحظة فهمت: المشكلة لم تكن في الميزانية، بل في الفكرة نفسها.

المكاشفة

عدتُ إلى أحمد، وضعت الفانوس أمامه، وقلت بهدوء:

"أحمد… لقد كنتَ محقًا. رمضان ليس قائمة مشتريات، بل حالة قلب. الفرحة لا تُقاس بما ننفق، بل بما نُحييه من معانٍ ونزرعه من خير. بيت جدتي كان بسيطًا… لكنه كان مصدرًا للسعادة، لأن الحب كان يسكنه."

نظر إليّ طويلًا، ولأول مرة منذ أيام، لم أرَ في عينيه ضيقًا، بل ارتياحًا.

قال بهدوء: "وأنا لم أرد سوى أن نعيش الشهر بسلام."

حين جمعنا رمضان

ومن هنا بدأ التغيير.

لم نشترِ زينة جديدة، بل صنعناها مع أولادنا.

ضحكنا ونحن نقصّ الورق، واكتشفنا أن البهجة لا تحتاج متجرًا… بل تحتاج وقتًا مشتركًا.

اتفقنا على جلسة ذكر يومية، قراءة قرآن معًا، وصندوق صدقة نضع فيه نحن والأطفال ما نستطيع.

وأحيينا "طبق الخير" ولو بوجبة بسيطة.

شيئًا فشيئًا، لم يتغير رمضان فقط، بل تغيرنا نحن.

اقتربت القلوب، هدأت النفوس، وصار بيننا أُنس بعد فتور، ومودة بعد شدّ.

وفي إحدى الليالي، بعد التراويح، جلسنا نشرب القهوة ونتحدث بهدوء لم نعهده منذ سنوات.

لا شجار… لا أرقام… لا ضغوط. فقط صفاء.

حينها أدركت أن رمضان لم يجمعنا على المائدة، بل جمعنا على المعنى.

"وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا" [الفرقان: 67]

نور لا ينطفئ

في ليلة الرؤية، أطفأنا الأنوار، وأشعلنا شمعة داخل فانوس جدتي.

ارتعش الضوء الدافئ على الجدران، ونظر إليّ أحمد وقال:

"هذا أجمل رمضان عشناه… لأنه أعادنا لبعض."

كان رمضان هذا العام أقل في المصاريف، لكنه أغنى في المشاعر.

وأدركنا أن أعظم زينة للبيت ليست الفوانيس المعلقة، بل القلوب إذا تصافت.

وأجمل الفوانيس هي التي تضئ بين قلبين.

البركة في اللمة، والبهجة في مشاركة الخير والحب والذكر، كما كان قديمًا في بيوت الأجداد.

سؤال للقراء:

هل سيكون رمضان هذا العام سباقًا في المشتريات؟

أم فرصة حقيقية لترميم القلوب وإحياء فانوس المودة في بيوتكم؟

تعليقات