حين نُربي… هل نبني أم نهدم؟
قراءة تحليلية في كتاب "خماسيات بناء الشخصية "
للكاتب والمحاضر أ / أحمد الرويني
(١- كيف تربين شخصية سوية بأسلوب رشيد )
بقلم: هدير محمود فايد
رئيس مجلس إدارة مجلة وعي جديد
أخصائية تربية خاصة وإرشاد أسري
هل تساءلت يومًا وأنت تربي أولادك… هل ما تفعله يبني شخصياتهم؟
أم – من دون قصد – قد تهدم ما تحاول غرسه؟
❓ هل كل كلمة تشجيع تقولها لطفلك… تقويه فعلًا؟
أم بعضها قد يزرع غرورًا، خوفًا، أو هشاشة نفسية لا يعلمها أحد؟
❓ هل التربية تبدأ فقط بعد أن يغلط الطفل؟
أم أنها تبدأ قبل أول كلمة، قبل أول مشهد، وحتى قبل الولادة؟
إذا شعرت بالضيق أو الاستفزاز من هذه الأسئلة… فأنت في المكان الصحيح.
هذه هي الحقيقة التي يضعها كتاب "بناء الشخصية السوية" أمامنا بوضوح:
النية الطيبة وحدها لا تكفي… والأثر النفسي لما نفعله أكبر مما نتخيل.
في لحظة صدق مع النفس، يواجه المرء سؤالاً يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق التأثير:
هل كل تربية مليئة بالحب تنتج إنساناً سويًا؟
قد لا يعجبنا أن الحقيقة تقول: النية الطيبة وحدها لا تكفي.
فكم من آباء وأمهات أحبوا أبنائهم بصدق، لكن بعض ممارساتهم – دون قصد – تركت أثراً نفسياً طويل المدى.
ومن هنا تأتي أهمية كتاب "بناء الشخصية السوية"، الذي لا يُقرأ فحسب، بل يُراجع الذات.
كتاب لا يقرأ… بل يُعيد ترتيب المفاهيم
أعترف بأنني في الفترة الأخيرة لم أكن منغمسة في القراءة كما اعتدت، لكن هذا الكتاب جذبني منذ صفحاته الأولى.
وجدت نفسي أقرأه بتركيز، صفحة بعد صفحة، وكأنني أراجع مفاهيم راسخة وأعيد ترتيبها علمياً.
الكتاب لا يقدم تنظيراً تربوياً، ولا شعارات مثالية، بل يضع يد القارئ على حجر الأساس في بناء الإنسان:
تكريم الإنسان منذ اللحظة الأولى لوجوده، بل وقبلها.
هنا تتجلى قوة الطرح؛ فالتكريم ليس مجرد شعار أخلاقي، بل ممارسة يومية تبدأ بالاحتواء، والفهم، وطريقة الخطاب، وأساليب التوجيه، وكيفية التعامل مع الخطأ.
بين النص الديني والبحث العلمي
ما لفت انتباهي في الكتاب هو هذا التوازن الناضج بين:
التأصيل القيمي المستند إلى التكريم الإلهي للإنسان
الممارسات التربوية الراسخة في التراث الإسلامي
الدعم الواضح من الدراسات الحديثة في علم النفس وتربية الطفل
فالكتاب لا يقف عند العاطفة، ولا يكتفي بالمرجعية الدينية، ولا يغرق في المصطلحات الأكاديمية، بل ينسج بينها جميعًا ليصنع رؤية متكاملة لبناء الشخصية.
الشخصية السوية… مفهوم أعمق مما نتصور
يتناول الكتاب أنماطًا محورية في تكوين الإنسان:
الشخصية المطمئنة
الشخصية السعيدة
الشخصية الفاعلة
الشخصية القيادية
ويشرح كيف تتكامل هذه الأبعاد لتنتج إنسانًا متوازنًا نفسيًا وعاطفيًا، قادرًا على النجاح دون أن ينهار عند أول إخفاق، وقادرًا على القيادة دون أن يفقد تواضعه أو اتزانه.
ما يميز هذا الكتاب
وضوح الفكرة وبساطة الطرح
قابلية التطبيق الواقعي داخل الأسرة
الربط المباشر بين التربية والصحة النفسية
تصحيح مفهوم "الأم المثالية" واستبداله بـ "الأم الواعية"
فالوعي – كما يؤكد الكتاب – لا يعني الكمال، بل يعني التعلم، والمراجعة، والتصحيح المستمر.
أهمية الكتاب في زمننا الحالي
نحن نعيش في زمن تتعدد فيه مصادر التربية، وتختلط فيه النصائح، وتتصارع فيه المفاهيم بين التشدد المفرط والتساهل الزائد.
نحن بحاجة إلى مرجعية متوازنة، تبني دون أن تُرهق، توجه دون أن تُقصي، وتربي دون أن تُكسر.
كتاب "بناء الشخصية السوية" يمثل محاولة جادة للإجابة عن سؤال جوهري:
كيف نبني إنسانًا من الداخل قبل أن نطالبه بالسلوك من الخارج؟
كلمة أخيرة
بوصفي أخصائية في التربية الخاصة والإرشاد الأسري، وقارئة مهتمة ببناء الإنسان، أستطيع القول إن هذا الكتاب ليس مجرد إضافة معرفية، بل دعوة لإعادة النظر في تفاصيل يومية نمارسها دون وعي.
فالتربية ليست رد فعل، وليست مجرد إدارة سلوك، بل هي مشروع بناء إنسان.
وكل مشروع عظيم يبدأ بأساس سليم.

تعليقات
إرسال تعليق