القائمة الرئيسية

الصفحات

شريط الاخبار

قالت لي جدتي .. (تحرر وأنطلق في الحياة) بقلم: الدكتور زكريا الخنجي

قالت لي جدتي .. (تحرر وأنطلق في الحياة) بقلم: الدكتور زكريا الخنجي




قالت لي جدتي .. (تحرر وأنطلق في الحياة)
بقلم: الدكتور زكريا الخنجي
Zkhunji@hotmail.com
حينما كنتُ طفلاً، كنتُ كثيرًا ما أذهب لقضاء الإجازة الصيفية عند جدتي، فالعلاقة التي تربط الأجداد بالأحفاد علاقة لا يعرفها الكثير من الناس، حتى يُصبح جدًا.
في ذلك الوقت من عمر الزمن لم يكن لدينا شاشات، ولا أيباد، ولا هاتف ذكي ولا شيء من هذا القبيل، كانت أبواب المنازل تغلق من بعد صلاة العشاء، حينها تسكن النفوس، وحتى محطات التلفاز تغلق في حوالي الساعة العاشرة ليلاً، فلا سهر وقضاء وقت خارج المنزل، وإنما كنا نجلس حول جدتي أنا وأولاد خالاتي وهي تقص علينا بعضًا من قصصها الخرافية والأساطير الجميلة التي تأخذنا إلى عوالم أخرى لا نعرفها، ولكننا نحلم بها وكأننا أبطالها.
ذات ليلة جفاني النوم، وبقيت صاحيًا اتقلب، أصابني الأرق، فكنت أتقبل يمينًا يسارًا، إلا أن جيوش النوم لا ترغب في مداهمة عقلي الذي ظل مستيقظًا لا يرغب في النوم، لاحظت جدي أرقي، فقال: ما بك ؟
قلت: لا أستطيع النوم.
قالت: لماذا ؟
قلت: لا أعرف.
قالت: أذهب إلى هناك [وأشارت إلى طاولة خالي] وأحضر ورقة وقلم.
فذهبت وأحضرت المطلوب، وقالت لي: أكتب ما سأقوله لك.
قالت لي جدتي: أكتب في السطر الأول، وفي وسط الصفحة؛ (لا تتمسك بشيء ظنًا أنه لن يتكرر).
ثم واصلت وقالت: سأملي عليك 6 مفاتيح أكتبها ومارسها عندما تكبر بهدف أن تتحرر وتنطلق في الحياة، وكلها تحت هذا العنوان. علمًا إن ما قالته جدتي كان باللهجة العامية وببساطة الزمن الذي كنا فيه آنذاك، ولكني اليوم أحول ما كتب في تلك الليلة بلغة عصر حتى تتوافق الرؤيا والمنطق، وكذلك فقد أضفت من خبرتي بعض الكلمات وبعض الشروحات.
أولاً: تقبّل أن النهاية ليست نهاية العالم؛ وجدت أننا جميعًا نعيش في لحظة ما نهايات محتومة، فللعمر نهاية، وللوظيفة نهاية، وللعلاقات الإنسانية نهاية، فلا يوجد أمر لا نهاية له، وعندما تأتي النهاية – على الرغم من أننا نؤمن بها – إلا أنها تخط في قلوبنا جرحًا، وهذا أمر طبيعي، ولكن من غير الطبيعي أن يبقى ذلك الجرح عالقًا في قلوبنا وكأن نهاية العالم بدأت تلوح، علينا أن نؤمن أن كل نهاية تحمل بدايات جديدة غير متوقعة، وهذا يساعد على الاستمرار.
ثانيًا: تعلم أن تحرّر يدك لتفتح أخرى؛ عندما تكون قلوبنا وأيدينا مملؤة ببعض العادات والأفكار البالية، حينها فإننا لن نتمكن من تعلم الأمور والأفكار الجديدة، وعندما نظل متشبثين بكل تلك الأفكار وربما العلاقات القديمة فإنها حتمًا ستمنعنا من الإمساك بالفرص الجديدة، ولكن هذا لا يعني أبدًا أن نتخلص من كل شيء قديم، ففي الكثير من القديم وخاصة القيم والأخلاق نبراس إلى المستقبل الذي عادة ما يكون مظلمًا وخاصة في بداية الطريق. ضع قلبك في الحاضر، لا في الماضي، ولكن لا تنس الماضي.
ثالثًا: لا تمسك بشيئين متناقضين في آن واحد؛ فلا يمكن مثلاً أن نمسك برغبتنا في النجاح بيد وفي اليد الأخرى نمسك بالتسويف أو الكسل، فمن يريد النجاح فإنه من الحتمية أن يمسك في يده الأخرى العمل والنشاط والتفكير الإيجابي. وكذلك فإن التعلّق بالماضي يسرق منك وهج وجمال اللحظة، والمستقبل.
رابعًا: إن السعادة ليست في الأشياء ذاتها، وإنما في حرية اختيار الأشياء ومن ثم التعلّق بها؛ لا يوجد للسعادة تعريف ثابت، فكل إنسان يعرف السعادة بطريقته الخاصة، ولكن النفس البشرية تتوق إلى امتلاك الأشياء، إذ أنه بامتلاك تلك الأشياء يعتقد أنه تشعره بالسعادة، وهذه فطرة ولا عيب فيها، ولكن مع كثرة دافعيتنا لامتلاك الأشياء نجد أن تلك الرغبة تحولت إلى إدمان، إدمان الشراء وخاصة الماركات التجارية، إدمان تبادل السيارات، إدمان الرفاهية، ولكن أن نسمو على كل تلك الرغبات ونغض الطرف عنها، أيًا ما كانت، فإن تلك هي السعادة الحقيقية، إذ أنه عندما نتحرر من كل الأنواع من الإدمان فإننا نكون قد ملنا أنفسنا، فلا ننجرف خلف الموضة بكل أنواعها وأشكالها.
خامسًا: لا تخف من التغيير، فهو بوابة النمو؛ التغيير حقيقة ثابتة لا يمكن نكرانها، فالحياة في جميع صورها تتغير، ولكن إما أن تتغير بصورة سلبية أو بصورة إيجابية، فأحرص على أن تسير وفق الإيجابية التي تنشد، ولا تدعها تجرك إلى أماكن لا ترغب فيها، وإنما دع المقود بين يدك أنت، فأنت من يقود حياتك، فالحياة تتطور، وأنت معها أو تبقى أن تبقي راكدًا.
سادسًا: أعطِ لنفسك فرصة لتتخطي الألم، ثم ابدأ من جديد بثقة؛ لا يوجد في هذه الدنيا إنسان لم يشعر بالألم، فنحن لسنا في الجنة، لذلك فإنك حتمًا – عزيزي القارئ – قد تألمت ذات يوم، وهذا أمر طبيعي، ولكن من غير طبيعي أن تبقى في مكانك تتألم سنوات طويلة من غير أن تتحرك، فمن يقف بعد الألم ويتحامل عليه فإنه قوي، فالسقوط ليس نهاية الدنيا والفشل بداية قوة.
رحم الله جدتي؛ فقد أعطتني بعض المفاتيح للانفكاك من التعلّق والضعف والوهم، بهدف أن ابدأ حياة أعظم وجديدة باستمرار.
والآن أنقل لكن هذه الحكاية، بهدف أن نبدأ جمعينا من جديد، حرّر نفسك، وأنشأ حياة تستحق أن تُعاش.

 


تعليقات