بقلم / خالد شتا
خبير التنمية البشرية والإرشاد الأسري والعلاقات العامة
أين ذهب كبير العائلة؟
في الماضي القريب، لم تكن الأسرة تُترك لمصيرها عند حدوث أول خلاف أو مشكلة بين أفرادها، بل كان هناك دائمًا كبير العائلة؛ ذلك الرجل الحكيم الذي يحمل على عاتقه مسؤولية الإصلاح، ويملك من الخبرة والهيبة ما يجعله كلمة الفصل وميزان العدل.
كان حضوره أساسيًا في نزاعات الميراث، وخلافات الأزواج، ومشكلات الأبناء؛ لا ليحكم فقط، بل ليستمع ويحتوي ويصلح قبل أن تتفاقم الأمور. كان يجلس مع أطراف النزاع بهدوء، ينصت للجميع، ويذكرهم بروابط الدم، وحرمة البيوت، وخطورة هدم الأسرة.
لم تكن القضايا تصل سريعًا إلى المحاكم كما نرى اليوم، لأن باب الصلح كان مفتوحًا، وصوت الحكمة مسموعًا. أما اليوم، فقد غاب الكبير، وغاب معه هذا الدور، أو كاد يختفي.
أصبحت المحاكم، وخاصة محاكم الأسرة، مزدحمة بقضايا الطلاق. فعندما تُسأل الزوجة: لماذا أتيتِ إلى هنا؟ تجيب: لم أجد كبيرًا لزوجي يصلح بيننا. وعندما يُسأل الزوج: لماذا لم تُحل المشكلة داخل العائلة؟ يكون الرد بالمعنى ذاته: لا يوجد شخص كبير أجلس معه ليقرب وجهات النظر.
ويتكرر المشهد نفسه في نزاعات الميراث؛ إخوة يتخاصمون، وأرحام تُقطع بسبب غياب من يجمعهم ويذكرهم بأن المال زائل، وأن العِشرة وصلة الدم أبقى من كل شيء. فبدلًا من الجلوس على مائدة الصلح، أصبحوا يجلسون على مقاعد المحاكم، ويتحول الخلاف إلى عداوة ممتدة من جيل إلى آخر.
إن غياب كبير العائلة لم يكن مجرد غياب شخص، بل غياب منظومة من القيم؛ قيم الحكمة، والاحتواء، والإصلاح قبل الفضيحة، وحفظ أسرار البيوت بعيدًا عن العلن.
ولو كان هذا الكبير لا يزال حاضرًا بدوره الحقيقي، لما وصلت نسب الطلاق إلى هذا الحد؛ إذ أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن في مصر تقع 31 حالة طلاق كل ساعة، ولما انتشرت أيضًا قضايا الميراث بهذا الشكل المؤلم.
فالمشكلات لم تكن غائبة في الماضي، لكنها كانت تُحل داخل البيوت لا خارجها.
إن المجتمع اليوم في أمسّ الحاجة إلى عودة “الكبير”، ليس بالضرورة في شخص بعينه، بل في عقلية الكبير؛ ذلك الذي يسمع قبل أن يحكم، ويصلح قبل أن يدين، ويحمي الأسرة قبل أن يتركها تتفتت.

تعليقات
إرسال تعليق