حين يتحول الوعي الزوجي إلى سكينة أسرية
بقلم: أ / خالد شتا
خبير التنمية البشرية والإرشاد الأسري والعلاقات العامة
تُعدّ العلاقة الحميمة بين الزوجين ركنًا أصيلًا من أركان الاستقرار الأسري، فهي لا تقتصر على كونها تفاعلًا جسديًا فحسب، بل تمثّل مساحة إنسانية عميقة للتواصل العاطفي والنفسي والجسدي، تتجسّد فيها معاني المودّة والرحمة التي جعلها الله أساسًا للحياة الزوجية.
وتواجه بعض الزوجات أثناء العلاقة الزوجية تجربة داخلية صامتة؛ إذ قد تكتشف الزوجة أساليب أو أوضاعًا تشعر معها بدرجة أكبر من الانسجام، تساعدها على الوصول إلى حالة من الرضا والارتياح، لكنها تتردد في الإفصاح عن رغباتها. ويرجع هذا التردد غالبًا إلى الخوف من سوء الفهم، أو القلق من تفسير طلبها بصورة خاطئة قد تثير الشك أو تضع تساؤلات غير مبررة حول سلوكها، رغم أن هذه الرغبة نابعة من طبيعتها الإنسانية وحقّها المشروع في الاستمتاع بعلاقة زوجية متوازنة.
إن التعبير عن الاحتياجات داخل العلاقة الزوجية لا ينبغي أن يكون مصدر حرج أو توتر، بل يمكن أن يتم من خلال حوار هادئ قائم على الاحترام واللطف والتفاهم المتبادل.
ومن جهة أخرى، قد يجهل بعض الأزواج أهمية رضا الزوجة العاطفي والجسدي، فيتعاملون مع العلاقة من منظور أحادي يكتفي بوصول الرجل وحده إلى حالة الإشباع، استنادًا إلى الفروق الطبيعية في سرعة الاستجابة بين الزوجين. غير أن هذا الفهم القاصر يفقد العلاقة أحد أهم مقوماتها؛ إذ إن شعور الزوجة بالرضا يمثل عنصرًا أساسيًا في استقرارها النفسي، ويعزز إحساسها بالتقدير والاحتواء داخل العلاقة.
وتبرز هنا أهمية التهيئة العاطفية قبل العلاقة، لما لها من دور في تعزيز التقارب وتقليل الفجوة الزمنية في الاستجابة بين الزوجين، بينما قد يؤدي إهمال هذه المرحلة إلى تجربة غير مكتملة الأثر، تفتقد العمق العاطفي المطلوب.
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى الإنساني الراقي حين قال:
«لا يقعنّ أحدكم على امرأته كما تقع البهيمة، وليكن بينهما رسول».
قيل: وما الرسول يا رسول الله؟
قال: «القبلة والكلام».
ويؤكد هذا التوجيه النبوي أن العلاقة الزوجية لا تقوم على التعجل أو الأداء المجرد، بل على اللطف والتهيئة والمشاعر المتبادلة، بما يراعي الطبيعة النفسية والجسدية للمرأة.
ومن الناحية العلمية، فإن شعور المرأة بالرضا خلال العلاقة يصاحبه إفراز عدد من الهرمونات، أبرزها هرمون الأوكسيتوسين الذي يعزز الإحساس بالأمان والارتباط العاطفي، إضافة إلى الإندورفين الذي يعمل كمحسن طبيعي للمزاج ويساعد على تخفيف التوتر والألم. أما لدى الرجل، فيصاحب الشعور بالارتياح إفراز هرمونات تسهم في الاسترخاء والهدوء، مثل الإندورفين والبرولاكتين، وهو ما يفسر حالة السكون والطمأنينة بعد العلاقة.
ولا تقل أهمية اللحظات اللاحقة للعلاقة عن ما يسبقها؛ فهي لحظة احتواء تؤكد استمرار الاهتمام وتمنح الزوجة شعورًا بالقرب والتقدير، حيث تسهم كلمات الحب واللمسات الهادئة في ترسيخ المودة وتعميق الروابط العاطفية بين الزوجين.
ومن هنا، تصبح العلاقة الزوجية الناجحة قائمة على الوعي والتقدير والحوار الصادق، والاحترام الكامل لاحتياجات الطرفين. فعندما يدرك الزوجان أن السعادة مسؤولية مشتركة، تتحول العلاقة إلى مساحة آمنة للحب والتفاهم، لا يسودها الصمت أو الخجل، بل تقودها المودة والرحمة.

تعليقات
إرسال تعليق