«الينبغيات»…
حين تتحول القواعد إلى سجن نفسي!!
بقلم .د / أميرة الشريف
دكتوراه الفلسفة في الآداب – قسم علم النفس، جامعة الإسكندرية.
هناك ما يُسمّى أخطاء التفكير أو التشوّهات المعرفية
(Cognitive Distortions)، وهي طرق أو قوالب ذهنية إذا داومنا على استخدامها — وغالبًا دون وعي — قد تُسبب لنا مشكلات نفسية أو اجتماعية في علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين.
يمكن تشبيهها بـ نظارة سوداء نضعها على عقولنا؛
فنحن لا نرى الواقع كما هو، بل كما تلوّنه هذه النظارة، فنُسييء تقدير المواقف، ونتصرف أحيانًا بطريقة غير متناغمة مع احتياجاتنا الحقيقية.
هيا بنا نتحدث اليوم عن أول نوع من هذه التشوّهات،ونرصد سويًا بعض الاضطرابات والمشكلات التي قد تصيب من يتبنّى هذا النمط من التفكير:
الينبغيات (Shoulds) أو باختصار:
كل الجُمل التي ضيّقنا بها الأفق أمام فرصنا الممكنة، وأغلقنا بها سُبل النمو والتطور الشخصي،
تحت مسمّى: «لازم»، «ينبغي»، «المفروض».
قد يبدو الكلام ثقيلًا أو كبيرًا،لكن الحقيقة — يا صديقتي — أن ما تفعله الينبغيات بنا عميق الأثر…
وغالبًا ما يمسّنا جميعًا. وأقصد بالجميع:
أنه ما من إنسان إلا وفي تفكيره حبل ما يُقيّد قدرته على التغيّر أو التطور بطريقة أو بأخرى.
لكن بيت القصيد هنا هو:ما مقدار التعطيل الذي تعود به هذه الينبغيات عليك؟
لأن الإجابة عن هذا السؤال هي ما يحدّد:
هل نحن أمام عادة فكرية بسيطة؟ أم أمام نمط بدأ يُغذّي اضطرابًا نفسيًا، أو يعرقل طريق التعافي منه؟
الينبغيات والاضطرابات النفسية
الخطورة لا تكمن فقط في أن الينبغيات قد تُعطّل علاج كثير من الاضطرابات النفسية —
مثل:الوسواس القهري ،القلق ،المخاوف المرضية
وأحيانًا بعض اضطرابات الشخصية،
كالشخصية الوسواسية القهرية، أو النرجسية، أو الحدّية…
بل إن الخطر الأكبر يكمن في أن الينبغيات
تجرّ خلفها شعورًا مزمنًا بـ الذنب والخزي.
لأنك تحاول الالتزام بتعليمات:
• لم تُفصَّل لك
• ولا لظرفك الراهن
• وتُعمَّم على حياتك كلها
مع أنها ليست قرآنًا،ولا إنجيلًا،ولا توراة منزلة.
من أين تأتي الينبغيات؟
إن أردت أن تبحث عن مصدرها، فكن حذرًا…
فالينبغيات كالحرباء؛قد تتلوّن، وتُقنعك أنها صوتك،
أو صوت ضميرك.بينما هي في الحقيقة:
• جُمل قيلت لك
• وتكررت على مسامعك
• في مواقف بعينها
حتى أصبحت جزءًا من نسيج وعيك.
(وهنا ملاحظة قد تهمّ المتخصصين في علم النفس، ويمكن لغيرهم تجاوزها دون أن يضيع المعنى):
فالينبغيات غالبًا ما تكون جزءًا من الإطارات العلائقية للشخص،
ما يجعل تمييز مصدرها أمرًا صعبًا، خاصة إذا كان هذا المصدر مكبوتًا أو مقموعًا داخل الجهاز النفسي
كوسيلة لتقليل الصراعات الداخلية.
و بعبارة أبسط:
قد تكون جُملاً وبّختَ بها في طفولتك،
أو أمثالًا شعبية حفظتها ونفّذتها دون تفكير، مثل:
«يا بخت من بكّاني وبكّى الناس عليّ،
ولا ضحّكني وضحك الناس عليّ»
الينبغي الضمني هنا: ينبغي أن تفضّل النقد القاسي والمؤلم على اللطف، لأن القسوة هي “الحب الحقيقي”.
خطأ التفكير:ربط الفائدة بالألم، وجعل الإنسان يتقبّل القسوة أو الإساءة تحت مسمّى “المصلحة”،
وهو ما يُشوّه مفهوم العلاقات الصحية.
ودعوتي هنا ليست لمحاربة الأمثال أو التراث — أبدًا. فعلى المستوى الشخصي، أنا مهتمة بجمعها وتنقيحها منذ نعومة أظافري.
لكن دعوتي هي للوعي؛ لأن بعض هذه الأمثال تفرض نمطًا واحدًا“ينبغي” اتباعه، وتُلغي الفروق الفردية وتتجاهل تغيّر الظروف.
ماذا تقول الأبحاث؟
في العلاج المعرفي السلوكي (CBT)،
تُعدّ Should Statements
من أكثر أنماط التفكير ارتباطًا بالاكتئاب والقلق والوسواس القهري.
وتشير الملاحظات الإكلينيكية إلى أن أنماط التفكير الصارمة، وعلى رأسها الينبغيات، تظهر بكثرة لدى مراجعي العيادات النفسية، لا سيما في الثقافات التي تُعلي من قيمة الواجب الاجتماعي والامتثال لاقوال محفوظه دون وعى بالحاضر و معطياته.
دعوتي لك… الآن أن تبدأ من اليوم في ملاحظة:
كم قاعدة لا أساس دينيًّا صحيحًا لها
تبنّيتها منذ سنوات وعطّلتك…وأنت لا تريد تغييرها فقط لأنها محفوظة وسهلة الاستدعاء؟
كم كلمة (لا ) اردت أن تقولها ولم تستطع؟
كم مكالمة هاتفية سرقت يومكدون إذن،ودون جدوى،
ولم تطلب إنهاءها فقط خوفًا مما قد يُقال عنك؟
كذا و مذا
إنها — في كثير من الأحيان — كالأصنام التي عبدها بنو قريش، واحتموا بها خوفًا من التفكير فيما قاله لهم سيدنا محمد ﷺ وهو الصادق الأمين بشهادتهم، لكنهم آثروا الاحتماء بـ ينبغياتهم،
و بما بما وجدوا عليه آباءهم.
والحل — وإن لم يكن بسيطًا —إلا أنه يستحق المحاولة:
أن نزرع مكان كل: «لابد أن…»
جملة واحدة فقط: «ماذا أحتاج؟»
فالبحث الصادق خلف الاحتياجات غير المشبَعة،
والسعي لتحقيقها بوعي، هو المصباح الذي:يُنير واقعك ؛ ويكشف جهل ماضيك.

تعليقات
إرسال تعليق